مغادرة الإتحاد الأوروبي وترامب: عندما ينتصر الخوف على الدليل

كتابة: جوليا شاو.
ترجمة: علي الزهراني.

في حال فاتك الخبر، لقد صوتت المملكة المتحدة يوم 24 جون (يونيو) لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك على الرغم من قول عددٍ هائلٍ من الخبراء بأن تلك الفكرة مروّعةٌ. ومع ذلك، من الواضح أنه لم ينصت سوى 48% فقط من الشعب عندما تحدّث الخبراء. بل حتى أن السياسي المؤيد لمغادرة الاتحاد الأوروبي مايكل غوف جعل من محاربة المهووسون بالدراسة (الخبراء*) جزءاً من برنامجه الانتخابي؛ حيث قال: “الناس في هذه الدولة اكتفوا من الخبراء”، فما الذي يعرفه الخبراء عن الأشياء، أليس كذلك؟ لا.

صوت 52% من الشعب لمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي في استفتاءٍ تاريخيٍ ذو عواقب فوريةٍ. فهبطت العملة على الفور كما تنبأ المهووسون بالدراسة، وأصبح احتمال مغادرة اسكتلندا للمملكة المتحدة مرجحاً أكثر، وشعر الكثير من الناس بخيانة بلدهم لهم. وشعر بعض أولئك الذين صوتوا للمغادرة فوراً بالندم حيال اختيارهم.

إذاً لماذا يجب أن تهتم؟ لأن ساستنا المؤيدين لمغادرة الاتحاد الأوروبي نسخوا تكتيكات حملة ترامب وفازوا. وعدا الحجة المتعقلة نسبياً حول السيادة السياسية، فاز الدعاة للمغادرة بالقدح المعادي للمهاجرين، الكذب، والمحاولات المضللة لاستعادة ماضٍ لم يكن حقيقياً يوماً. وادّعت الصحافة أننا بحاجة لجعل بريطانيا عظيمةً مرةً أخرى. ولا يعني ذلك القول بأن الحملات الداعية لبقاء بريطانيا لم تحاول استخدام الخوف أيضاً لمحاولة إبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وبالتحديد الخوف من دمارٍ اقتصادي. ولكن ذلك لم يكن جذاباً عاطفياً بقدر التكتيكات التي استخدمها دعاة المغادرة.

لقد سبق وأن كتبت عن تأثير “ذكريات الماضي المجيد الخاطئة” على التصويت السياسي، ولكن تأثير كراهية الأجانب وتعيير الخبراء تحتل مستوى آخر تماماً.

ما أقوله لكم يا أصدقائي الأمريكيين الأعزاء هو أنه إذا كان بإمكان هذه الأساليب أن تفوز في المملكة المتحدة، فبإمكانها أن تفوز أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية. ويضيف لقلقي أن فوز ترامب بالرئاسة الأميركية احتمالٌ أكيدٌ. فلا أعتقد أن حملةً أخرى مثل حملة أوباما والتي اعتمدت بشكلٍ كبيرٍ على النظرة الإيجابية للمستقبل والنهج المنطقي عموماً، ستفوز بالانتخابات في ظل المناخ الاجتماعي الحالي. فانصت إليّ إن لم تكن تريد مهووساً غير مؤهلٍ أن يقود بلدك.

الجذب بالخوف:

يُعرف هذا النوع من الدعاية السياسية المدفوعة بالخوف والمستخدم من قبل ترامب ودعاة المغادرة بـ”الجذب بالخوف.” وهي وسيلةٌ مختلةٌ منطقياً (مغالطة منطقية) في عرض المعلومات. حيث يحاول هذا النهج أن يحتج بقوله: إما أن يكون (أ) أو (ب) صواباً. وما دام (ب) مخيفاً، فإن (أ) هو الصواب. وعلى الرغم من أن هذه حجةٌ باطلةٌ وليست ذو حسٍ منطقيٍ، إلا أنها من على السطح يمكن أن تكون مقنعةً إلى حدٍ بعيدٍ. وذلك لأن الخوف محفّزٌ قويٌ فيما يتعلق بالذاكرة واتخاذ القرار.

لماذا ينتصر الخوف؟

للمشاعر والذاكرة علاقةً معقدةٌ، كما ذكرت في فصلٍ كاملٍ من كتابي الجديد “وهم الذاكرة.” لكن الأبحاث تشير إلى أننا نميل مجملاً لتذكر التصاريح العاطفية بشكلٍ أكبر من تلك التي ليست كذلك. ويحدث ذلك غالباً لأن إضافة المشاعر إلى الادعاءات يعني أننا نخزّن شيئين منفصلين، وهم الادعاء والمشاعر. وبالنسبة للذاكرة، يضيف هذا بعض التعقيد إلى تخزين هذه المعلومات في دماغك عبر تكوين شبكة ذاكرةٍ أكبر، والتي يمكن استرجاعها لاحقاً أكثر.

نحن نعلم أيضا أنه من الممكن أن يكون للمشاعر تأثيرٌ عميقٌ على عملية اتخاذ القرار، خاصةً الخوف. فعندما نكون خائفين، أو يُطلب منا التركيز على الحجج المستندة على الخوف، فإننا بشكلٍ عام ننتقل إلى ما يسمى بالمعالجة المحيطية. حيث تحدث المعالجة المحيطية عندما نكوّن رأياً بالاستناد إلى ما يدور حول الحجة في محيطها. وهذه المعلومات هي المرتبطة بكيفية عرض الرسالة عوضاً عن الرسالة نفسها، مثل المشاعر أو جاذبية المتحدث. وهذا هو السبب في أن بعض الحجج تقود إلى قرارات غالباً ما تكون معتمدةٍ أقل على الدليل، مثل أن الاتحاد الأوروبي يتنمر على المملكة المتحدة، أو أن المهاجرين إلى الولايات المتحدة قد يكونون عملاء سريين لداعش.

لماذا لا يثق “الناس العاديون” بالخبراء؟

تعتبر المعالجة المحيطية أيضاً السبب وراء تجاهل الناس لنصائح الخبراء. إنهم يركزون على مشاعرهم وأشياء أخرى لا تساهم واقعياً في منطقية الحجة. فالمعالجة المحيطية تقف على النقيض مما يسمى بالمعالجة المركزية. حيث تشير المعالجة المركزية إلى الحالات التي نحاول فيها تكوين حججٍ موزونةٍ نزن فيها الدليل والمنطق للحجة. وهذا تقريباً ما يفعله الخبراء دائماً. ويعتبر هذين النوعين من المعالجة جزءاً مما يسمى بنموذج احتمالية التحسين. ويتضح أن هذا النموذج يشير إلى أننا نادراً ما نستطيع الانخراط في كلا النوعين من اتخاذ القرار في نفس الوقت.

ذلك يعني أنه لو تم خداعنا بالاندماج السطحي (محيطياً) بالمعلومات التي طُلب منا اتخاذ القرار بخصوصها فإن هذا سيستبعد بشكلٍ كبيرٍ قدرتنا على معالجة المعلومات بعمقٍ (مركزياً). وعندما يجادل النقاد بأن الناس لا يحتاجون للخبراء، فإنهم يحاولون جاهدين دفعك من استخدام المعالجة المركزية إلى النهج المحيطي. فهم يطلبون منك أن تغلق المنطق وتشغّل العاطفة، لأنهم يعلمون أن استخدام المنطق صعبٌ حالما يسيطر الخوف.

هذا أيضا هو السبب وراء تفضيل سياسيين مثل ترامب ودعاة المغادرة لقولهم بأنهم يمثلون “الناس العاديين”. فلا وجود للناس العاديين بالطبع. وحتى لو وجدوا، فمن غير المرجح أن يكونوا من أصحاب البلايين أو خريجاً عجوزاً من كلية أتون والذي يقدم خطبه باللاتينية. حيث يحاول مقدمو مثل هذه الحجج أن يشعروك بالسلبية ضد معارضٍ وهميٍ (غالباً “النخبة” وغير الموجودة أيضاً في الواقع)، محاولين دفعك لتجاهل الدليل والمنطق.

ما أريد أن أترككم معه هو هذا: أعلم أن الحملات المستندة على المشاعر يمكن أن تكون مقنعةً إلى حدٍ بعيد، وأنها يمكن أن تحجب ذاكرتك وقدرتك على اتخاذ القرار بشكلٍ كبيرٍ. لكن لا تكرروا الأخطاء التي وقع فيها دعاة البقاء البريطانيين في الاتحاد الأوروبي، حين بالغوا في تقدير أثر استدعاء الدليل والخبراء لإقناع الناس بالتصويت لصالحهم.

إذا كنت تريد حملةً فعالة، فأنت تحتاج لأكثر من المنطق والدليل. إنك أيضاً بحاجةٍ إلى جذبٍ قويٍ للمشاعر الأساسية. هذا مالم تكن تريد ترامب كالرئيس القادم لبلادك.

المصدر (scientificamerican)

ترامب Trump
مايكل غوف Michael Gove
المعالجة المحيطية Peripheral processing
المعالجة المركزية central processing
نموذج احتمالية التحسين  Elaboration Likelihood Model

Comments are closed.