هل تدحض مفارقة فيرمي للأكوان المتعددة وجود تعدد الأكوان؟

ترجمة: عبدالحميد حسين شكري
مراجعة: فارس بوخمسين

باعتبار أننا درنا حول انقلابٍ صيفيٍ آخر، يبدو أن هذا هو الوقت لطرح بعض الأفكار التقديرية قبل أن تتقلص الأيام الحارة في نصف الأرض الشمالي مرةً أخرى ويعود التفكير المنطقي. إذاً، بينما تمسك بمشروبٍ كحوليٍ بيدٍ واحدةٍ تأمل التجربة الفكرية التالية.

أصبح ما يعرف بـ’مفارقة فيرمي’ مصدرا معتاداً للتكهنات عن طبيعة الحياة في الكون، ولهذا لن أعيدها بتفصيلٍ كثيرٍ هنا. عوضاً عن ذلك، يمكنك الاطلاع على هذا الوصف الجميل لآدم فرانك، وتذكر أن حجر الأساس هو: إن لم تكن الحياة نادرةً جداً في الكون، فينبغي عليها أن تكون قد ظهرت على عتبة أبوابنا على سبيل المثال، ولذلك فإن من المثيرٌ للاهتمام حقيقة أنها لم تفعل ذلك. إلا أن الكون يُعد شيئاً لا قيمة له، حيث أن هناك جمعاً من الفيزيائيين الذين يخبروننا بأن واقعنا وكوننا قد لا يكون الوحيد، بل أنا نُوجد بداخل كونٍ متعددٍ بدلاً من ذلك.

يمكن إنشاء هذا الكون المتعدد بأشكالٍ مختلفةٍ: من الأكوان الجيبية التي تولدت من الانتفاخ الكوني، إلى الانحرافات الكمومية الميكانيكية والعوالم المتعددة، إلى الأغشية في نظرية إم للأبعاد العليا، وهلم جراً. وعلاوةً على ذلك، كل هذه المتغيرات قد لا تكون متغيراتٍ على الاطلاق، بل أنها قد تُسحق جميعاً معاً إلى منظومة هائلة من الوقائع، لعددٍ كبيرٍ من الوقائع حقاً إلى درجة أن أيّ شيءٍ ممكن الحدوث سوف ويجب أن يحدث، بل وسوف يحدث مراتٍ عديدةٍ، وأستطيع القول حتى بعددٍ لا يُحصى من المرات.

إلا أن هناك جماعاتٍ أخرى من الفيزيائيين (في الواقع ليسوا جماعاتٍ بل فئاتٍ من الفيزيائيين الواعيين وذوي الأهمية) الذين يغضون طرفهم ويشيرون إلى سخافة بعض هذا الحديث. حيث يقولون أن النظريات التي تستطيع تفسير أي شيء تطرحه عليها بقولك ببساطة ‘أن كل شيءٍ ممكنٍ’ هي في الواقع ليست نظرياتٍ طبقاً للمنهجية العلمية الصحيحة، لأن من غير الممكن دحضها بطريقةٍ منطقيةٍ.

والآن وقبل أن تلقي عليّ محاضرةً بالنيابة عن أيّ من الجانبين من هذا الجدال، فلتأخذ رشفةً أخرى من كوكتيل الفواكه وخذ بعين الاعتبار ما يلي:

لنفرض أن أكثر أفكار الكون المتعدد ليبراليةً صحيحة. قد يجد مؤيدو فيرمي المعاصرون أنفسهم في هذه الحالة يكررون العبارة ذاتها التي قيلت في خمسينيات القرن الماضي: أين الجميع؟ باستثناء أنه في هذه المرة لن يكون السؤال حول مكان المسافرين عبر النجوم أو لماذا لم يتم رصد حضاراتٍ من مجراتٍ أخرى. بل ستكون المعضلة الجديدة هي ‘أين هم مسافرو وحضارات الكون المتعدد عموماً؟’

خذ رشفةً أخرى ولنقم بتحليل هذا السؤال قليلاً. فإن كان الواقع في الحقيقة مؤلفاً من عددٍ مهولٍ من الوقائع، ولو كان “أيّ شيءٍ” ممكناً الحدوث بل ويحدث ويجب أن يحدث وأن يحدث عدة مراتٍ، فمن المفترض أن يشمل هذا احتمالية وجود كائناتٍ حيةٍ (مهما كانت مكوناتها) والتي تتخطى بين الأكوان طوعاً أو كرهاً. ففي النهاية، لا تمنع فيزياء عددٍ كبيرٍ من الأكوان الأخرى من أن تقول: “استمر!” فقط لأن فيزياء كوننا تجعل من هذا الأمر معقداً نوعاً ما.

وهذه هي السخرية، فلو أزلنا مقدرة كل البشر على خداع أنفسهم فلن يوجد هنالك دليلٌ دامغٌ على أنه تمت زيارتنا من قِبل أشخاصٍ من وقائع أخرى. (ولا تتعب نفسك إن كنت ترغب بإخباري بأنني على خطأ، عذراً). إذاً ما هي الإجابة؟ لماذا لا يحدث هذا الأمر؟

قد يكون السفر بين أجزاء الكون المتعدد مستحيلاً (إلا أنه ليس مستحيلاً في كل مكان، بحكم التعريف تقريباً) أو في غاية الصعوبة جداً.

قد لا يريد أيّ كيانٍ وصل إلى المرحلة التي يستطيع فيها القفز بين الأكوان أن يقوم بذلك فعلاً (ولكن يجب أن يكون هنالك شخصٌ في مكانٍ ما يريد فعلها، بحكم التعريف تقريباً أيضاً).

قد نكون الوحيدون، أيّ أننا الشكل الوحيد للحياة في أيّ واقعٍ (ولكن الكون المتعدد يحتوي على أشكالٍ أخرى من الحياة مرةً أخرى، بحكم التعريف تقريباً).

وقد يكون الأمر وبكل بساطةٍ أن لا وجود هنالك لكونٍ متعددٍ.

تابع شربك، فهذا ما أفعله الآن.

مفارقة فيرمي: fermi paradox
نظرية إم: M-theory
الأكوان الجيبية:  pocket universes

المصدر (scientificamerican)

Comments are closed.