طفرةٌ وراثيةٌ صغيرةٌ تسببت بتطور الثعابين عديمة السيقان

كتابة: إليزابيث بينيسي.
ترجمة: غدير بخاري.
مراجعة: ريم عبد الله.

في بعض الأحيان، يمكن لتغيّرٍ وراثيٍ طفيفٍ أن يحدث فرقاً كبيراً حقاً في مظهر الحيوان، حيث اكتشفت مجموعتان منفصلتان من العلماء أن هذا ما حدث على الأرجح عندما فقدت أسلاف الثعابين الحديثة سيقانها، وهي عمليةٌ بدأت قبل نحو 150 مليون عامٍ. وعلى الرغم من أن الفريقين اتخذا نهجين مختلفين جداً لحل لغز كيفية اختفاء تلك الأطراف، إلا أن النتائج جاءت مماثلةً على حدٍ سواء: أدت طفراتٌ في الحمض النووي منزوع الأوكسجين تقع بالقرب من موروثةٍ رئيسيةٍ لتشكّل الأطراف إلى إبقاء منطفئاً، كما ذكروا اليوم.

أبهرت هاتين الدراستين العلميتين الجديدتين علماء المجال، ومنهم عالم الأحياء التطوري بجامعة ليدن في هولندا ميشيل ريتشاردسون، والذي علق بدوره قائلاً: “توجد هناك علاقةٌ بين الاكتشافات الجزيئية من ناحيةٍ وبين الاتجاه التطوري السائد لتقلص الأطراف وفقدانها من ناحيةٍ أخرى”. وأضاف عالم أحياء تطوري بجامعة هارفرد جيمس هانكين أن هذا الاكتشاف العلمي يوضح “إمكانية حدوث تغيرٍ كبيرٍ ومتخصصٍ كفقدان الأطراف نتيجةً لتغيرٍ وراثيٍ طفيفٍ في الجينوم”.

على الرغم من أن الثعابين تعد من الزواحف، إلا أن الغالبية العظمى منها تفتقد لأطرافهم بالكلية والتي تُعد نموذجيةً لمعظم الفقاريات البرية، إلا أنها لم تبدأ بهذه الطريقة: فقبل ١٠٠ مليون عامٍ امتلكت الثعابين أقداماً ظاهريةً. وبعضاً من الثعابين الحالية كالبايثون والبوا تمتلك أجزاءً صغيرةً من عظام الأقدام داخل أجسادها، مما يدل على امتلاكها لآثار مسارٍ جزيئيٍّ لتكوين هذه الأطراف.

في عام ١٩٩٩مـ، توصل العلماء لبعض أدلتهم الأولى عن الموروثات المختصة بتكوين الأجسام الأفعوانية الشكل، حيث اكتشف في ذلك الوقت عالم الأحياء التطوري بجامعة فلوريدا في جينسفيل مارتن كوهن وجود اختلافٍ في نشاط بعض موروثات أجنة الأفاعي عن الزواحف الأخرى، كما لاحظ إمكانية نمو الأطراف في هذه الأجنة عبر إضافة عوامل النمو، لكنه افتقر إلى الأدوات الجينومية للبحث بشكلٍ أعمق. وبعد أربع سنواتٍ، حدد العالم هانكين وزملاؤه موروثاً واحداً أطلق عليه اسم القنفذ سونيك تيمناً بشخصية لعبة فيديو، والذي يلعب دوراً هاماً في تحديد حجم أرجل السحالي، ما لمح لاحتمالية أن يكون مهماً أيضاً للثعابين.

الآن وبعد تواجد عدة طرقٍ لدراسة النشاط الوراثيّ في المراحل المختلفة لتطور الكائنات، إضافةً إلى إمكانية معرفة تتسلسل الجينوم كاملاً للعديد من الثعابين والزواحف وبالتالي المقارنة بينها، تمكن كوهن وطالبة الدراسات العليا فرانسيسكا ليل من تعقب النشاط الوراثيّ في أجنة ثعابين البايثون في محاولةٍ منهم لاكتشاف السبب وراء بدأ نمو الأطراف ولكن توقفها لاحقاً.

ذكر كوهن وليل اليوم في دورية الأحياء الحالية أنهم وجدوا ثلاث عمليات حذفٍ للحمض النووي في زر التشغيل الوراثي الذي يسيطر على نشاط موروث القنفذ سونيك، ويقع عاملٌ أمام الموروث  يُسمى بالمُحسن، وهو موقع لرسو البروتينات التي تتحكم في نشاط المورثات. لقد صعبت عملية الحذف الرسو على بعض البروتينات، مما أدى إلى نافذةٍ قصيرةٍ فقط من النشاط الوراثي خلال تطور جنين ثعبان البايثون. كما ذكروا أن الثعابين التي تخلو من وجود عظام الساق تكون للمحسنات المزيد من عمليات الحذف، مما يجعل من المرجح عدم تشغيل الموروث أبداً في المقام الأول، إذ يقول هانكين: “لقد أخذنا النتائج القديمة إلى مستوىً أدق”.

استخدم عالم الوراثة في المختبر الدولي بجامعة لورينس بيركلي في ولاية كاليفورنيا أكسيل فيسيل، أفاعي البايثون والبوا في أبحاثه أيضاً لمعرفة سبب انعدام الأطراف، فقام هو وزملاؤه بمقارنة جينوم الأفاعي السابقة الذكر مع جينوم أفاعي أخرى حديثةٍ ولا تحتوي على بقايا الأطراف نهائياً كالفايبرات والكوبرا، وتوصلوا لاستنتاجٍ مماثلٍ للسابق؛ وهو وجود طفراتٍ وعمليات حذفٍ في منطقة العامل المحسن لموروث قنفذ سونيك.

إضافةً على ذلك، قام فيسيل وزملاؤه باختبار الاستنتاج السابق على أطراف الفئران، واتضح أن استبدال العامل المحسن للفأر بالعامل المحسن المتحوّر لموروث قنفذ سونيك باستخدام تقنية كريسبرـ كاس٩ أثرت بالفعل على نمو أطراف الفأر، وعند إعادة التجربة واستبدال العامل المحسن للفأر بالعوامل المحسنة الموجودة في الأسماك ثم لاحقاً الإنسان، نتج عن ذلك نموٌ طبيعيٌ لأطراف الفأر، مما يؤكد أن العوامل المحسنة المستخرجة من كائناتٍ أخرى تؤثر بشكلٍ طبيعيٍّ على مورثات الفأر المسؤولة عن نمو الأطراف، ولكن هذه النتيجة لا تحدث في حالة العامل المحسن للأفاعي المنقول للفئران، حيث أن ما نتج عنه هو نتوءاتٌ صغيرةٌ كما صرح فيسيل وزملائه في دوريةِ سيل، وعندما أضِيفت القواعد النيتروجينية المحذوفة في هذا العامل المحث المنقول للفأر، نمت أطراف الفأر بشكلٍ طبيعيٍّ.

أعرب كوهن عن إعجابه بقوله: “إن الورقة البحثية لدراسة فيسيل جميلةً وباهرةً؛ حيث رفعت مجال علم الجينوم الوظيفيّ باستخدام تقنية كريسبرـ كاس٩ لمستوىً أعلى”، وعلق فيسيل بدوره بأن تجارب كوهن مع أجنة الأفاعي “أثبتت بطريقةٍ مستقلةٍ ما استنتجناه في تجاربنا مع الفئران، إنه عملٌ راقٍ جداً”.

تنبه كلٌّ من كوهن، فيسيل، وهانكين بأن العامل المُحسن المتحوّر ليس السبب الرئيسي خلف تطور الأجسام الأفعوانية الشكل، فمؤخراً على سبيل المثال، توصلت دراساتٌ جديدةٌ إلى أن هناك عاملاً محسناً آخر مسؤولٌ عن زيادة عدد الضلوع وطول العمود الفقريّ، ومن المحتمل أن العامل المحسن لقنفذ سونيك لم يكن الخطوة الأولى في عملية فقدان الأطراف، “ولكنه بكل تأكيدٍ لعب دوراً أساسياً في ذلك” كما قال هانكين.

ربما تساهم هذه الدراسات في تسوية الجدال القائم منذ القدم والمتعلق بأحافير الأفاعي، والتي تظهر أطرافها بمستوياتٍ مختلفةً. حيث حاول علماء الأحافير جاهدين ضم حفريات الأفاعي ذوات الأطراف في نفس فرع شجرة العائلة، وأن تتفرع الأفاعي عديمة الأطراف من ذلك الجذع، وهو أمرٌ يشير إلى أن فقدان الأطراف حصل مرةً واحدةً. ولكن لو كان فقدان الأطراف حدث بهذه السهولة، فمن المرجح أن إعادة تطورهم لم يتطلب الكثير ، وهذا كما قال ريتشيرسون: “ربما يفسر عودة ظهور الأطراف في بعض سلالات الأفاعي المنقرضة”. فعلى مر العصور، تجادل علماء الأحياء التطوريين بعدم إمكانية عودة صفةٍ مفقودةٍ، ولكن هانكين يقول أن هذه الدراسة “توضح أن هذه الظاهرة ليست مستبعدةً من ناحيةٍ تطوريةٍ”.

 

المصدر: (sciencemag)

إليزابيث بينيسي (Elizabeth Pennisi)
ميشيل ريتشاردسون ((Michael Richardson
جامعة ليدن(Leiden University)
جيمس هانكين James Hanken))
جامعة هارفرد (Harvard University)
البايثون python))
البوا  (boa)
مارتن كوهن (Martin Cohn)
جامعة فلوريدا (University of Florida)
سونيكهيدجوك Sonic the Hedgehog))
فرانسيسكا ليل (Francisca Leal)
دورية الأحياء الحالية (Current Biology)
أكسيل فيسيل ((Axel Visel
الفايبرز (viper)
الكوبرا (cobra)
كريسبرـ كاس٩ CRISPR-Cas9))
دورية سيل (Cell)
ريتشيرسون (Richardson)

 

 

 

Comments are closed.