علم الأعصاب يفسر انقساماتنا السياسية

كتابة: الأستاذ المحاضر نايف الروضان.
ترجمة: نورة النزهة.

صعد علم الأعصاب في السنوات الأخيرة كشكلٍ جديدٍ من الفلسفة، مع آثارٍ له أوسع من الرعاية الصحية بكثيرٍ. وفي عصر السياسات الانقسامية والمضطربة، فتحت دراسة وظائف الدماغ الطريق لفهمٍ جديدٍ لأنفسنا ولمجتمعاتنا. حيث قدمت أدواتُ علم الأعصاب لنا معرفةً عميقةً وغير مسبوقةٍ عن عمل الدماغ البشري فورياً، وعلى وجه الخصوص التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. حيث يمكن الآن تخطيط مواضيع ونقاشاتٍ كانت محصورةً بالفلسفة سابقاً بعباراتٍ كيميائيةٍ عصبيةٍ وتشريحيٍة عصبيةٍ. ولقد بدأنا الآن بفهم بعض جوانب البشر العاطفية، صناعة القرار، الأخلاقية، الصدمة، والدافع نحو القوة السياسية إلى المستوى الخلوي، وذلك عبر ملاحظة التغيرات في الكيمياء العصبية، المسارات العصبية، والتحوُّلات التشريحية العصبية داخل الدماغ.

كيف يحدث كلاً من الخوف، العواطف، والإيديولوجيات داخل الدماغ؟

قدَّم علم الأعصاب بعض الادعاءات القائمة على الأدلَّة والتي قد تكون غير مريحةٍ لأنها تتحدى مفاهيمنا الأخلاقية، أو قد تكشف زيف الخرافة حول دماغنا “المنطقي”. حيث نوّرنا علم الأعصاب بشكلٍ حاسمٍ عن الجانب الحسي للانفعالات الإنسانية. فشعور الخوف الذي ورثناه من أسلافنا يتعدى كونه شعوراً مجرداً أو غير محسوسٍ لخطرٍ وشيكٍ: حيث يُعبر عنه بمصطلحاتٍ كيميائيةٍ عصبيةٍ في لوزتنا المخية، وهي بنيةٌ لوزيّة الشكل تقع في الفِصِّ الصدغي الأوسط من المخ وأمام الحُصين. ولقد أُثبت أن اللُّوزة المخية مهمةٌ لحيازةِ، تخزينِ، والتعبيرِ عن استجاباتِ الخوفِ المشروطة. كما تخضع مناطق محددةٍ في اللوزة المخيَّة لليونة الدِّماغية (أو اللدونة*، وهي تغيراتٌ في الاستجابة للمحفزات العاطفية) مما يثير تفاعلاتٍ أخرى، بما في ذلك استجابة الغدد الصماء.

بالمثل، فإن من الممكن الآن دراسة الطريقة التي تصنع بها أدمغتنا المنطق الأخلاقي لتترجمه بعدها في السياق الاجتماعي بمصطلحاتٍ عصبيةٍ علميةٍ إلى حدٍ ما. فعلى سبيل المثال، تم توثيق دور السيروتونين في السلوكِ الاجتماعي والحكم الأخلاقي، مع وجود ارتباطٍ قويٍ وواضحٍ بين مستويات السيروتونين في الدماغِ مع السلوك الاجتماعيِّ الأخلاقيِّ.

بدأ علماء الأعصاب أيضاً بالنظر في كيفية تمثيل الأيديولوجيات السياسية داخل المخ، وتشير الأبحاث الأولية إلى أن زيادةً في كمية المادة الرمادية في القشرة الحزامية الأمامية يمكن أن ترتبط بميولٍ أكثر نحو الليبرالية، بينما يبدو أن زيادتها في اللوزة المخية (تعتبر جزءاً من الجهاز الحافي، وبهذا فهي معنيةٌ بالعواطفِ) مرتبطٌ بالقيم المحافظة. ولا ينبغي لهذه النتائج المبكِّرة بالتأكيد أن تكون اختزاليةً، حتميةً، أو تصنيفاً سياسياً لمجموعةٍ أو أخرى، كما أنها ليست ثابتةً، ولكن بإمكانها أن تساعد في تفسير الانقسام العميق والمستمر في السياساتِ الحِزْبية حول العالم. وسيكون من القيم جداً لو بحثنا فيما إن كانت تلك النتائج الأولية موجودةً قبل الانتماء السياسي أو أنها حدثت كنتيجةٍ للتعرض المتكرِّرِ للمناظرات العاطفية والحِزْبية المستوحاة سياسياً.

تحول تحليلُ السياسيات في الآونة الأخيرة أيضاً إلى علم الأعصاب. فعلى سبيل المثال، اضطر البعض لربط جاذبية بعض المرشحين في دورة انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016 بما يسمى تشبيك الأسلاك داخل أدمغتنا، واحتياجاتنا الأساسية للانتماء لمجموعةٍ، بينما استكشف آخرون رؤى علم الأعصاب عن دور العواطف في صناعة القرار. وبشكلٍ مشابهٍ، تم تحليلَ المواقف المحيطة بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بالرجوع لعلمِ الأعصابِ.

 

ماذا يخبرنا علم الأعصاب عن السياسيات الخلافية؟

الجواب القصير هو: رؤى جديدةٌ نافعةٌ. بالتأكيد، قد تكون بعض الاكتشافات في علم الأعصاب غير ناضجةٍ في هذه المرحلة لأن المجال وأدواته ما زالوا يتطورون، فلا يزال الدماغ البشري غير معروفٍ إلى حدٍ كبيرٍ على الرغم من التقدمات العلمية الهائلة. إلا أن لدينا بعض الاستنتاجات التمهيدية لنبني عليها. فلقد اعتلت السياسيات الخلافية صدر المسرح، وقد يكون بمقدور علم الأعصاب أن يلقي بعض الضَّوء على كيفية تعبير ذلك داخل أدمغتنا.

“نحن” ضد “هم”

يُعد كلاً من زراعة الخوف والكراهية تجاه المجموعات الخارجية التي تُرى أنها مختلفةٌ (عرقياً، عقائدياً، ودينياً، وما إلى ذلك) والهجماتِ الشَّرسة والخبيثة ضدَّهم جزءاً من الصورة المُقلِقة من تنامي العداءِ العِّرقي والعُنصريِّ. ولقد قسَّم الفيلسوفُ مارتن بوبر العلاقات بين الأطراف إلى نوعينِ متضادين: علاقة “أنا-هو”، وعلاقة “أنا-أنت”. تعني “أنا-هو” إدراك الطرف المقابل كشيءٍ ماديٍ، في حين تصف العلاقة “أنا-أنت” إدراكاً متعاطفاً مع الطرف الآخر كشخصٍ. ولقد درس علماء علم الأعصابِ الإدراكي هذه التفرقة بتقنيات تصوير الدماغ، وتخبرنا النتائج (بما لا يثير الدهشة) الكثير حول تزايدِ استقطاب عالمنا اليوم وطرق معالجة أدمغتنا للتفرقة فيما بيننا “نحن” و “الآخرين”.

الحاجة الملحة لتحصين النفس من “الدخلاء” أو “المتطفلين” يستند بالأغلب على الخوف والميول الموروثة من الأسلاف، والتي تعتبرُ الانتماء إلى القبيلة، المجموعة، أو العائلة شيئاً جوهرياً للبقاء والتكاثر. ولقد تمت دراسة الدوائر العصبية للسلوك القبلي بأساليبٍ غير جراحيةٍ، ما كشف أن التفرقة بين الـ”نحن” ضد الـ”هم” يحدث في قشرة الفص ما قبل الجبهي. حيث نقوم هنالك بتمييز شخصٍ على كونه “غريباً” أو جزءاً من “مجموعتنا” في خلال 170.000  جزءاً من الثانية من اللحظة التي نراهم فيها. ويحدث هذا التَّحيُّز اللحظي بشكلٍ لاشعوريٍ ويرتبط بالتشبيك العصبي الأولي.

أظهرت المزيد من الأبحاث اختلافاتٍ تنشيطيةٍ بارزةٍ في قشرة الفص ما قبل الجبهي الوسطى بالدِّماغ لمشاركين في مسحٍ طُلب منهم أن يقوموا باستدلالاتٍ حول أشخاص يُماثِلونهم أو مُختلفينَ عنهم سياسياً. وأظهرت النتائج استجاباتٍ مختلفةٍ: فعندما طلب منهم إصدار أحكامٍ حول الأشخاص المماثلين لهم أصبحت مناطق في قشرة الفص ما قبل الجبهي البطنية الوسطى نشيطةً، وحينما طلب منهم عمل استنتاجاتٍ بشأن أشخاص مختلفين عنهم أصبحت قشرة الفص ما قبل الجبهي الظهرية الوسطى نشيطةً. في الحقيقة، نحن نحكم على الأشخاص بنحوٍ مختلفٍ بالاعتماد على ما إن كانوا معروفين لنا أم لا.

لكن حتى مع كون التشبيك العصبي الذي يخلق هذه التفرقة موجودٍ فينا، إلا نواجه صورةً أكثر تعقيداً. فبخلاف عصور ما قبل التاريخ، يعد تعريف “نحن” ضد “هم” في مجتمعاتنا المعاصرة أكثر رقةً وتنوعاً. وهنا يلعب القادة الخلافيون دوراً رئيسياً في التلاعب بالميول البشرية الأساسية، تضخيمها بالفعل، وتحرير مخاوفنا، حتى في أكثر الأفراد المستنيرين أو المطَّلعِين في المجتمع.

كثيراً ما تستثار المشاعر القومية بسبب الشعبوية وتزدهر على التفرقة بين الـ “نحن” والـ “هم”، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء والارتباط وهو أمرُّ حاسمٌ بالنسبة لجميعِ الراشدين. ولقد أظهرت العلوم الإدراكية أن الارتباط بالمجموعات الكبيرةٍ يُعد جزءاً من العملية الاجتماعية الطبيعية لسن الرشد، وذلك حين ننتقل من كوننا متمركزين ذاتياً إلى أن نكون متمركزين اجتماعياً (وهو الوعي بوجودنا في محيطٍ أكبر). وللمفارقة، فإن من الممكن للقومية (سواءً كانت مدنيةً، عِرقيةً، أو مزيجاً من الإثنين) أن توحد الجميع بشدةٍ عبر كلّ الأجناس، الطبقات، أو حتى الاتجاهات السياسية، بينما تحدد في الوقت نفسه خط التماس ضمن فكرة الوحدة الوطنية.

يستغل القادة الشعبويين هذا الميل “لتفضيل الجماعة الداخلية” أو “تقليل قيمة الجماعة الخراجية” على نحوٍ ملائمٍ، فيحولون “الأمة” إلى علامةٍ للتفرقة بين الناس. وتهب هذه التفرقة بعد ذلك أعمق وينعكس أيضاً على كيفية تفسير تعاطفنا. حيث أظهرت تجارب الرنين المغناطيسي الوظيفي أن مواقفنا تجاه من ندرك أنهم خارج المجموعة تتأثر بما يسمى بـ “الأعصاب المرآتية” (المسؤولة عادةً عن المحاكاة والتعاطف)، والتي “تنطفئ” لتقودنا إلى مقاومة الروابط العاطفية.

للاطلاع على الجزء الثاني تفضل هنا.

المصدر (weforum)

التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (functional magnetic resonance imaging)
اللوزة المخية (The amygdala)
السيرتونين (Serotonin)
مارتن بوبر (Martin Buber)
علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive neuroscience)
قشرة الفص ما قبل الجبهي (Prefrontal cortex)
القشرة الحزامية الأمامية (Anterior cingulate cortex)
قشرة الفص ما قبل الجبهي الوسطى (Medial prefrontal cortex) (PFC)
قشرة الفص ما قبل الجبهي البطنية الوسطي (Ventromedial PFC)
قشرة الفص ما قبل الجبهي الظهرية الوسطي (Dorsomedial PFC)
أنا-هو (I-It)
أنا-أنت (I-thou)
الجهاز الحافي (Limbic system)
الشعبوية (Populism)
الأيديولوجيات (Ideologies)
العلوم الإدراكية (Cognitive sciences)
الأعصاب المرآتية (Mirror neurons)

Website Comments