الباحثون يأخذون خطوتين كبيرتين نحو الحوسبة الكمومية

ترجمة: عبدالحميد حسين شكري.

كان وصف آينشتاين الشهير والرافض للتشابك الكمي بأنه “فعلٌ شبحيٌ عن بُعد”. ولقد أنشئ التشابك الكمي منذ فترةٍ طويلةٍ كظاهرةٍ فيزيائيةٍ، والباحثون متحمسون لتطوير تطبيقاتٍ عمليةٍ للتشابك تشمل الاتصال، والتشفير، والحوسبة. ويُعرف التشابك الكمي بأنه ظاهرةٌ تقول بأن من غير الممكن إنتاج أو تفاعل عددٍ من الجسيمات بشكلٍ مستقلٍ عن بعضها البعض، بل يجب وصفها ضمن شروط الحالة الكمومية للنظام بأسره.

نشرت تجربتان حديثتان في التشابك الكمي في “محاضر الأكاديمية الوطنية للعلوم”، حيث تقوم واحدةٌ منهما بإثبات بأن من الممكن حفظ الحالات الكمومية المعقدة في الفوتونات حتى في الأحوال الجوية المضطربة، والأخرى تظهر تبادل التشابك بين الكيوبات (البت الكمومي) على مسافة 143 كيلومتر بين جزر الكناري وتنريفي.

سعى مجموعةٌ من الباحثين النمساويين في التجربة الأولى إلى نقل معلوماتٍ كموميةٍ مشفرةٍ ومعقدةٍ عبر الهواء المضطرب. فاستقطاب الفوتونات تُعد تقنيةً قويةً ومفضلةً للبحث الذي يتطلب تشابكاً ذو مسافاتٍ طويلةٍ، حيث يكون الفوتونان ذوا الاستقطاب العمودي المشترك موجودين في موقعين مختلفين. ويمكن التحكم بالحالة بسهولةٍ، كما أنها مقاومةٌ للاضطرابات الجوية. إلا أن الاستقطاب حالةٌ ثنائيةٌ غير قادرةٍ على حمل معلوماتٍ معقدةٍ بسهولةٍ. وإن تشفير معلوماتٍ معقدةٍ أكثر في نظامٍ متشابكٍ قد يتطلب حالة فضاءٍ أوسع بكثير من حالة الفضاء ثنائية الأبعاد للاستقطاب، مثل صورةٍ رقميةٍ لألبرت إينشتاين بصيغة جيه بي إي جي وهو يقوم بتحريك قبضته لفوتوناتٍ متشابكةٍ.

قام الباحثون باستخدام فوتونات ذات طورٍ أماميٍ ملتوٍ، والتي تحمل كميةً غير محدودةٍ من قوة الدفع الزاويّة المدارية، وهي حالةٌ للفضاء أوسع بكثير من الاستقطاب. مبدئياً، تقدم قوة الدفع الزاويّة المدارية تطبيقاتٍ عمليةٍ محتملة مثل التشفير الكمومي واختبار الخصائص الأساسية لفيزياء الكم. ولكن قوة الدفع الزاويّة المدارية حساسةٌ جداً للاضطرابات الجوية. وبرغم ذلك، نجح الباحثون في توزيع التشابك الكمي لفوتوناتٍ ذات حيزٍ منظمٍ على رابط فضاءٍ حرٍ عبر مدينة فيينا.

يكون المرسل والمعروف تقليدياً في تجارب التشابك الكمي بأليس والمستقبل المدعو ببوب في موقعين مختلفين على بعد ثلاثة كيلومترات خلال التجربة. حيث كان أليس على برج رادارٍ يصل طوله إلى 35 متراً، ومعه مصدرٌ يقوم بإنتاج الأزواج المتشابكة بدقةٍ وسطوعٍ عاليين. بقي فوتون أ من دون تغييرٍ، بينما تم نقل حالة الاستقطاب لفوتون ب بشكلٍ متداخلٍ لتنتج تشابكاً كمومياً هجيناً لحالة قوة دفع الزاويّة المدارية.




تم تأخير فوتون أ قد عبر سلك أليافٍ طوله 30 متراً للتأكد من عدم قياسه قبل نقل فوتون ب إلى بوب، والذي يقع في الجانب الآخر من المدينة. وتم قياس استقطاب فوتون أ بعد النقل وتم تحديد زمن اكتشاف كل حدثٍ. وعلى نفس المنوال، تم تحديد زمن اكتشاف فوتون ب ورُبط الحدثان بنظامٍ دون النانوثانية. حيث أكد الباحثون صحة التشابك الكمي للأزواج عبر الأجواء المضطربة. وعلى رغم أنهم مازالوا يستخدمون حالة فضاءٍ ثنائية الأبعاد، إلا أن هذه الطريقة سمحت لرابط كمٍ ذو 11 قناةٍ متعامدةٍ لقوة الدفع الزاويّة المدارية.

كتبت المجموعة: “إن نتائجنا تظهر وبوضوحٍ بأنه من الممكن التعرف على التشابك المشفر في قوة الزاويّة المدارية بعد عملية نقلٍ لمسافةٍ طويلةٍ. فهي ليست محدودةً بالاضطرابات الجوية مبدئياً كما كان متوقعاً في بعض التحقيقات الحديثة، ولهذا فقد تكون طريقةً مجديةً لتوزيع تشابكٍ ذو أبعادٍ عاليةٍ.”

أما في التجربة الثانية فلقد قامت مجموعةٌ أخرى والتي شملت العديد من نفس الباحثين بنقل آنٍ لحالةٍ متشابكةٍ بين كيوبتين، وهي عملية تٌعرف بتبادل التشابك. يخالف هذا نقل حالةٍ كموميةٍ منفردةٍ بشكل آنٍ من كيوبتٍ إلى أخر، جوهرياً، خلق الباحثون حالةً متشابكةً بين كيوبتين موضوعين على بعد 143 كيلومتراً عن بعضهما، واللذين لم يتفاعلا قط من قبل.

يقدم هذا حلاً لنظرية عدم الاستنساخ، والتي تنص على أنه من المستحيل في النظرية الكمية خلق نسخةٍ مطابقةٍ لحالةٍ كموميةٍ غير مُعرفةٍ. إن إظهار هذه التجربة لإمكانية تطبيق التقنية خارج المختبر يفتح باباً لتطبيقاتٍ عمليةٍ كسحابة الحوسبة الكمومية.

لم يخف الباحثون أهمية هذا الإنجاز، حيث كتبوا: ” تثبت بياناتنا نجاح عملية تبادل التشابك عبر رابط فضاء حر ذو مسافةٍ طويلةٍ وتحت تأثير ظروفٍ بيئيةٍ قاسيةٍ للغاية، وهي واقعاً أكثر تحدياً مما تتوقعه لرابطٍ بين القمر الصناعي والأرض. هذا يثبت قابلية تنفيذ عنصرٍ حاسمٍ للوصول إلى معيدٍ كمومي في الإنترنت الكمومي المستقبلي على الأرض وفي الفضاء في جميع أنحاء العالم.”

المصدر: (PHYS.ORG)

التشابك الكمي (Quantum entanglement)
وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (Proceedings of the National Academy of Sciences)
الكيوبات (البت الكمومي) (qubits)
جيه بي إي جي (jpeg)
قوة دفع الزاويّة المدارية (orbital angular momentum (OAM))
أليس (Alice)
بوب (Bob)
نظرية عدم الاستنساخ (no-cloning theorem)

Comments are closed.