قوس المطر في عيون الفيزياء

كتابة: فاطمة عبد الرزاق.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

يُشار إلى قوس المطر في الميثولوجيا والأساطير بأنه جسرٌ في السماء يربط بين عالم البشر وعالم الآلهة، ففي ملحمة جلجماش الشهيرة يُحكى أن قوس المطر كان عقداً من المجوهرات الملوّنة للآلهة عشتار تركته في السماء تذكاراً لليوم الذي غرقت فيه الأرض من الفيضانات، كما أن لقوس المطر دورٌ في إلهام خيال الكثيرين في العلوم والأدب. فلقرونٍ عديدةٍ، اقتحم بمنظره الخلاب عقول الشعراء وأهم فلاسفة العصر ومن بينهم أرسطو، والذي ظل تفسيره التقليدي الخاطئ لظاهرة القوس مسيطراً على الساحة حتى العصور الوسطى، عندما جاء العالم العربي العظيم ومؤسس علم البصريات الحديثة أبو علي الحسن ابن الهيثم (665مـ -1040مـ) وشرع بتجاربه على المرايا والظواهر المتعلقة بالانعكاس والانكسار ونشرها في أهم أعماله “كتاب المناظر”.

 

لوحةٌ بخط اليد لقوس المطر من عام 1535مـ، وردت في كتابٍ تعليميٍّ للناشئة.

أثرت أعمال ابن الهيثم في البصريات في كلاً من كمال الدين الفارسي (1320مـ -1267مـ) وثيودوريك من فرايبرغ (1310مـ -1250مـ)، حيث أعطى الأول أول تفسيرٍ رياضيٍّ لظاهرة قوس المطر ولطبيعة اللون وأثبت من خلال تجاربه أن ألوان قوس المطر تحدث نتيجة تحلل الضوء الآتي من الشمس أثناء عبورها من الزجاج، كما توصل الثاني لنفس النتائج بدون اتصالٍ ما بينهما.

في بدايات القرن السابع عشر، نشر رينيه ديكارت أول دراسةٍ علميةٍ تفصيليةٍ في أوروبا عن قوس المطر متضمنةً معها رسماً توضيحياً لظاهرة الانكسار وشرحٍ لبعض السمات الأساسية في الظاهرة، وتبعه في ذلك الشاب نيوتن في سلسلةٍ من التجارب التي قام بها على الضوء من خلال المنشور الزجاجيّ، وكشف من خلال تجاربه الوجه الحقيقي للضوء الأبيض كما نعرفه اليوم وهو أنه يتكوّن جوهرياً من أطوالٍ موجيةٍ مختلفةٍ، وأن الألوان لم تنتج بسبب خصائص الزجاج كما كان يُعتقد. وهذا يعني أن قطرات الماء في قوس المطر تتصرف كمنشورٍ زجاجيٍّ مصغّرٍ لتعكس لنا ألوان الطيف السبعة.

إذاً من أين تأتي قدرة الضوء على صنع هذه الألوان؟ كيف يتشكل قوس المطر ولماذا يتخذ شكل نصف دائرة؟ لنفهم هذا كله علينا أن نقلص حجمنا إلى بلايين النانو مترات لندخل في أعماق قطرة المطر ونرى ماذا يحدث!

مسار الضوء خلال القطرة

عندما يعبر الضوء من وسطٍ إلى آخر، في هذه الحالة من الهواء إلى الماء، فإنه ينحني أو يتعرض للانكسار. ففي يوم ممطرٍ، ستصطدم أشعة الضوء بقطرات الماء الساقطة عندما يسمح السحاب المتجمع لبعض أشعة الشمس أن تعبر خلال الغلاف الجوي للأرض، مما يتسبب في انكسار الضوء داخل كل قطرةٍ كما نرى في الصورة (فالانكسار يحدث نتيجة تباطؤ شعاع الضوء أثناء عبوره القطرة).

يخترق شعاع الضوء القطرة بزاويةٍ معينةٍ (وهي 42 درجةً)، وبعد انكساره ينعكس في القطرة داخلياً ثم ينكسر مرةً أخرى أثناء خروجه منها. ولأن كل لونٍ من ألوان الطيف يتكوّن من أطوالٍ موجيةٍ وتردداتٍ مختلفةٍ، فإن الزاوية التي يصنعها الضوء مع القطرة تختلف بشكلٍ طفيفٍ تبعاً لتردد كلّ لونٍ، وهذا الاختلاف في زوايا اصطدام الشعاع مع القطرة هو ما يجعل الألوان تبدو منفصلةً عن بعضها البعض عندما ننظر إلى قوس المطر.

قوس المطر خدعة!

إذا كان التزحلق فوق قوس المطر أو الركمجة (ركوب الأمواج) فوقه هي واحدةٌ من أحلام طفولتك السعيدة، فربما سيبدو لك ما أقوله الآن مخيبٌ للآمال. فقوس المطر في حقيقة الأمر عبارةٌ عن وهمٍ بصريٍّ، أي أنه لا يتواجد في نقطةٍ معينةٍ في السماء فعلاً! إن الكيفية التي يبدو لك بها القوس في السماء تعتمد على عاملين مهمين: الموقع الذي تقف فيه وأنت تشاهده وموقع الشمس أو مصدر الضوء، وهي غالباً ما تكون خلف الشخص الذي يراقب قوس المطر.

حقائقٌ عن قوس المطر:

  1. قوس المطر الذي تراه عينيك خاصٌ بك وحدك! فقد يكون هناك اختلافٌ طفيفٌ بين الراصدين ولكنه موجودٌ. فعندما يراقب شخصان اثنان قوس المطر فسيأتي قوس المطر لهما من مجموعاتٍ مختلفةٍ من قطرات الماء، ولذا سيظهر بشكلٍ مختلفٍ لأعيننا حتى لو كانا واقفين في الموقع نفسه. ولأن هندسة قوس المطر تخبرنا بأن كل واحدٍ منا يملك نقطةً تقابل الشمس (وهي نقطةٌ من القبة السماوية تقع مقابل الشمس بالنسبة للراصد) خاصةٍ به، ستتحرك معه حسب موقعه في الأرض.
  2. أحياناً يظهر فوق قوس المطر الأساسيّ قوسٌ آخر خفيف (كما هو مبينٌ بالصورة أعلاه)، وهذا يحدث لأن الضوء ينعكس مرتين داخل قطرة الماء، فالقوس الثاني يشابه القوس الأساسيّ ولكنه يختلف عنه في ترتيب الألوان، حيث تظهر بشكلٍ معاكسٍ (فالبنفسجي في الأعلى والأحمر بالأسفل)
  3. قوس المطر في الواقع ليس قوساً بل دائرةً كاملةً، إذ يعيق سطح الأرض رؤيتنا له بالكامل ولكن ربما تستطيع رؤيته بشكلٍ كاملٍ إذا كنت تشاهده من مكانٍ في السماء عند ركوبك الطائرة.
  4. قوس المطر ليس محصوراً في ألوان الطيف السبعة المعروفة، فالضوء المرئي الذي نستطيع رؤيته يمثل 1% من مدى الطيف الكهرومغناطيسيّ الموجود في الكون، ومنها الأشعة تحت الحمراء، فوق البنفسجية، أشعة جاما وغيرها.
  5. يُعتقد بأن درجات اللون النيليّ والبرتقاليّ إضافةً غير ضروريةٍ للألوان، ولكن نيوتن أضافهم ليصبحوا سبعةً لأسبابٍ قد تبدو تقليديةً، ومنها أن كثيراً من الثقافات تعتقد بأن الكون محكومٌ بالرقم سبعة. على سبيل المثال، سبعة أيامٍ في الأسبوع، وسبعة نوتاتٍ في السلم الموسيقيّ.
  6. قوس المطر لا يتشكل عند سقوط المطر فقط، فهناك أشكالٌ وحالاتٌ عديدةٌ يظهر فيها، مثل عند شلالات المياه أو عند تشكل الضباب (المعروف بقوس الضباب)، وأيضاً هناك قوس المطر القمريّ الذي يحدث نتيجة الضوء المنعكس من القمر بدلاً من الشمس.

 

المصادر:

History of Science Online
Abu Ali al-Hasan ibn al-Haytham
Kamal al-Din Abu’l Hasan Muhammad Al-Farisi
The Picture
nationalgeographic
howstuffworks

قوس المطر القمريّ (Lunar Rainbow)
قوس الضباب (Fog bow)
نقطة تقابل الشمس (Antisolar point)
الركمجة (Surfing)
رينيه ديكارت (René Descartes)
ثيودوريك من فرايبرغ (Theodoric of Freiberg)
الميثولوجيا (mythology)

Comments are closed.