رحلات الفضاء البشرية: من خلال البحث عن الكويكبات سنتمكن من الوصول إلى المريخ

ترجمة: علياء فادان

تصميم الصورة: نورة الدراك

 

يقول ريتشارد بينزل: “إن سحب الكويكبات هو مجرد تشتيت للانتباه، ومن الأفضل أن نخطو نحو السفر بين الكواكب.”

إن السفر بين الكواكب هو القفزة العملاقة القادمة للإنسان في الفضاء. ومع ذلك فإن الإجماع على أصغر الخطوات للتقدم مازال مربكاً. ففي شهر يونيو، قام بيانٌ من مجلس البحوث القومي الأمريكي بتسليط الأضواء على العديد من الخيارات المتاحة ولكن لم يقدم أية توصيات. العودة للقمر؟ التوجه نحو المريخ مباشرة؟ أخذ صخرة من كويكبٍ ما ووضعها في المدار القمري، لكي يحصل رواد الفضاء على مكان للذهاب إليه ومهام أخرى ليقوموا بها؟ يجب أن تقرر ناسا المسار الذي ستتبعه قبل اعلان الرئيس باراك أوباما ميزانية في شهر يناير لعام 2015.

بعض الخيارات أفضل من الأخرى. التكلفة والتعقيد لاستكشاف الإنسان للفضاء يتطلبان أن يُدرس كل عنصر على حدة من حيث قيمته في تحقيق الهدف النهائي: المريخ.

ولكن الأولوية المعلنة لناسا لن تساهم في هذا الهدف. بل هو بعثة لإعادة توجيه الكويكبات -Asteroid Redirect Mission (ARM)-التي ستكلف مليارات الدولارات، وهي عبارة عن استرداد جزء من كويكب ما ووضعه بالقرب من الأرض حتى يتمكن رواد الفضاء من الوصول إليه. ستتطلب هذه المهمة وجود ملحقات إضافية للمركبة الفضائية، فإما حقيبة ضخمة للإمساك به، أو أداة بها مخلب عملاق. وكلا التقنيتين لن تكونا ذا فائدة لوصول الإنسان إلى المريخ.

ولكن هناك طريقة أفضل. إن آلاف الكويكبات بحجم حاويات الشحن تمر بالقرب منا كل سنة، أي بمسافة متقاربة للمسافة التي بيننا وبين القمر. كما حدث في شهر سبتمبر للكويكب 2014 RC ، فقد كانت المسافة التي تفصلنا عنه أقل من المسافة التي تفصلنا عن القمر. يجب علينا أن نعثر على هذه الكويكبات مسبقًا قبل أن تقترب من الأرض، وستفتح أمامنا العديد من الفرص لإرسال البعثات إليها.

هذه الطريقة لاستكشاف الإنسان للفضاء تتطلب ثلاثة أمور: مسح شامل للكويكبات للبحث عن أجسام قريبة ملائمة حتى يتمكن رواد الفضاء من زيارتها، تمديد الفترة الزمنية للرحلة وتحسين المركبات الفضائية لتتمكن من قطع مسافات أكبر للوصول إلى المريخ، وأيضًا تطوير معدات ومركبات آلية أفضل ليصبح رواد الفضاء قادرين على استكشاف الكويكبات بغض النظر عن حجمها، شكلها، أو دورانها. كما سيزود المسح الشامل للكويكبات تقييماً محكماً لمخاطر الاصطدام في المستقبل.

تدور الكويكبات حول الشمس، وتتواجد معظمها في حزام الكويكبات بين كوكبي المريخ والمشتري. تقوم جاذبية كوكب المشتري وقوىً أخرى بدفع بعض الكويكبات لتسلك مساراً يبعد 40 مليون كيلومتراً عن الأرض. أكبر هذه الكويكبات التي تمر بقرب الأرض كويكب يبلغ عرضه 30 كيلومترًا. أما الأجسام الصغيرة فإنها تصطدم بالأرض باستمرار وهي متوفرة بكثرة. أطنان من الحصى والفتات المتبقي من الكويكبات الصغيرة تمطر على الأرض يوميًا، وتبقى القليل من الكويكبات الصغيرة لتصطدم سنويًا بالأرض.

الكويكب الذي أضاء سماء تشيليابينسك بروسيا عام 2013 وقطره 20 مترًا كان بمثابة خط فاصل بين كويكب يتسبب بأخطارٍ كبيرة وبين كويكب يتسبب بتساقط الشهب فقط. انفجار مثل هذا يحصل على الأرض كل خمسين سنة في المتوسط، وغالبًا ما يحدث الانفجار فوق المحيطات. أما اصطدام كويكب بعرض عشرة كيلومترات مثل الكويكب الذي اصطدم بالأرض في نهاية العصر الطباشيري فهي حادثة تحصل مرة واحدة كل مئة مليون سنة لحسن الحظ.

ولكن من الممكن أن يكون الكويكب صديقنا، وليس عدونا. فمنذ ما يقارب الأربعة عقود، تم الاعتراف بالكويكبات التي تمر بقرب الأرض كوجهة لرحلات الفضاء البشرية، إذ إن الوصول إليها أكثر سهولة من الوصول إلى سطح القمر. ويعود ذلك إلى أن حقول الجاذبية لديها ضعيفة، وبالتالي فإن ملاقاة الكويكب ستستلزم الطيران بمحاذاته فقط والانزلاق عليه، ولن تكون هنالك الحاجة لمركبات هبوط متخصصة.

إن الكويكبات التي تمر مداراتها بين الأرض والمريخ تقدم فرصًا جيدة لاختبار قدرات رحلات الفضاء البشرية من حيث المدة الزمنية للرحلة والمسافة التي تستطيع قطعها. البعثات الأولى قد تستغرق أسابيعاً وألا تبتعد كثيراً، أما البعثات اللاحقة فقد تستمر شهوراً وستغامر واحدةٌ تلو الأخرى لتقطع مسافات كبيرة في الفضاء بين الكواكب، مما سيثبت أن المريخ في متناول أيدينا.

في عام 2009، أقر فريق العمل الرئاسي بأن الاتجاه إلى الكويكبات القريبة من الأرض هو خيار منخفض التكلفة وقابل للتحقيق إضافة إلى أنه طريق مرن للوصول إلى المريخ. قام أوباما بتحديد المسار بتمهل عن طريق ذكر كلمة “كويكب” والاشارة إلى عام “2025” في خطاب ألقاه على حشد من العاملين في مجال الفضاء في شهر ابريل لعام 2010. بالرغم من أن كلماته كانت مجرد همهمة مقارنة بالخطاب الذي ألقاه الرئيس جون كينيدي في شهر مايو عام 1961 والذي حث فيه على الذهاب إلى القمر، فقد اعتبر مخططو ناسا أن كلمات أوباما هي بمثابة توجيهات.

ولكن لاحقاً أظهر الواقع بأن ذهاب البشر إلى أي كويكب قريب من الأرض بحلول عام 2025 هو أمر خارج نطاق أنظمة الطيران الناشئة وسيتجاوز الميزانية المخصصة لها. لذلك تم التخطيط لمشروع (ARM): فعوضاً عن إرسال البشر إلى الكويكب، لنأخذ قطعة منه ونحضرها لمسافة من المتوقع أن يستطيع طاقم 2025 الوصول إليها. حيث ستقوم المركبات التي تستخدم المحرك الشمسي الكهربائي الخالية من البشر بالتقاط الغنيمة وتسحبها إلى مدار القمر حيث سيتمكن رواد الفضاء من الانطلاق لاستكشافها.

هل تمت المهمة بنجاح؟ من وجهة نظري، بالطبع لا. فإن المعدات والعمليات اللازمة للإمساك بالكويكب واحتواءه وإعادة توجيهه هي طريق مسدود وليس لها أية قيمة في سفر الإنسان لمدة طويلة في الفضاء. أما إرسال مركبات فضائية محملة بالإمدادات إلى القمر فهي وسيلة أكثر عقلانية لاختبار المحرك الشمسي الكهربائي وستعود بالفائدة على سلامة رواد الفضاء. إن إخبار العامة أن الوصول إلى المريخ يتطلب الكثير من الصبر والتقدم المستمر لقدراتنا هو البديل الصادق لصرف انتباههم بطريقة مؤقتة ومكلفة.

في رأيي إن القول بأن ARM سيزودنا بمعلومات جديدة ومهمة عن أخطار الكويكبات وعن موارد الفضاء هي حجج مخادعة على حد سواء. إذ إن الكويكب المستهدف من ARM سيكون بالكاد ربع حجم الجسم الذي سقط على تشيليابينسك وواحد بالمئة من كتلته – صغيرٌ جدًا لينجو عند مروره عبر الغلاف الجوي. وفكرة أننا من الممكن أن نستفيد في وقت قريب عن طريق استخراج الماء أو وقود الصواريخ من الكويكب هي فكرة خيالية، لما تتسم به من التكلفة والتعقيد.

تحتاج ناسا لخطة أكثر واقعية. من الضروري إعادة توجيه اهتمامنا إلى المريخ كهدف طويل الأمد (بشكل مستقل عن أي قرار بخصوص العودة إلى القمر). الكويكبات القريبة من الأرض هي أفضل وسيلة متاحة للتقدم نحو المريخ. لماذا نقوم بإحضار كويكبٍ ما إلينا بينما نستطيع انتظار واحد ليأتي بالقرب منا؟

هنالك الكثير من الكويكبات للاختيار من بينها. يوجد ألف كويكب تقريبًا تم اكتشافهم، يصل عرضهم إلى عشرات الأمتار أو أكثر، ويمرون في حدود بضعة أضعاف المسافة التي تفصلنا عن القمر وهذه الكويكبات ليست سوى جزء بسيط جدًا. إذ إن حوالي عشرة ملايين كويكب بهذه المواصفات تنتظرنا لنكتشفها في مداراتها التي تمر بين الأرض والمريخ، وكويكب واحد أو أكثر يسير في داخل مدار القمر كل أسبوع. حتى الآن، قمنا بالكشف عن 0.1% من هذه الكويكبات بصعوبة، لأن الشبكة الحالية لدراسة الكويكبات ليست بالمستوى المطلوب لهذه المهمة.

الكويكبات التي تقع في مكان مثالي لاستكشافها تمثل خطرًا محتملًا على الأرض. “يجب أن نعثر عليهم قبل أن يعثروا علينا” لقد ظل هذا الشعار ملازمًا لعلماء الكواكب وللتقارير القومية لعدة عقود. بالرغم من ذلك، لم يقم الكونغرس الأمريكي ولا ناسا بتمويل مسح تلسكوبي كبير ومخصص للكويكبات. تنفق ناسا جزءًا صغيرًا من ميزانيتها – والتي تقدر بعشرين مليون دولار أمريكي سنويًا – على عمليات بحث باستخدام مجموعات عشوائية لمنشآت فلكية معدلة.

دراسة الجسيمات القريبة من الأرض لجورج براون جونيور عام 2005 تطلبت من ناسا أن تعثر على 90% من الكويكبات الخطيرة والتي يصل عرضها إلى 140 مترًا أو أكبر بحلول عام 2020، ولن يتحقق هذا الهدف دون زيادة كبيرة في الاستثمار. إنه تحدٍ كبير ويتطلب الكثير من الالتزام من وكالة الفضاء، الرئيس والكونغرس: 200 مليون دولار سنويًا. هذه الميزانية المشابهة لبرنامج ناسا “آفاق جديدة” (New Frontiers programme) والذي قام بإرسال مسابير لكواكب المجموعة الشمسية، ستتيح للدراسة أن تكتمل في غضون عقد من الزمن وبجزء صغير من تكلفة ARM والتي تقدر بعدة مليارات الدولارات.

بمجرد أن يصل البشر إلى كويكب واحد في مداره الأصلي، سيسهل الوصول إلى المئات من الكويكبات إن لم يكن الآلاف، مما سيسمح بوجود برنامج منتظم لاستكشافها في الحقبة الزمنية بين 2020 و2030. ومن الممكن أن تبدأ التنمية التجارية لموارد الفضاء في اختيار الكويكبات المرشحة في منتصف هذا القرن.

سنحتاج إلى تطوير المركبات التي تدار بواسطة الروبوتات -Robotic operated vehicles (ROVs)- لتتمكن من استكشاف الكويكبات، كما يجب على رواد الفضاء المتواجدين في مدار المريخ أو على سطحه أن يكونوا قادرين على التحكم بالروبوتات العاملة. معظم الكويكبات غير منتظمة الشكل، متناثرة الصخور وتتعثر في مداراتها. ليس لدينا أي سبب لنتوقع أن يكون دوران الكويكب بطيئًا وثابتًا وأن يكون سطحه آمنًا ومستويًا لبدلة الفضاء. ROV تشبه المركبات المستخدمة للاستكشاف تحت الماء إذ يمكن توجيهها من وحدة الطاقم الرئيسي لإجراء الدراسات والفحوصات في الموقع. بوجود صف من الأذرع أو أدوات للتثبيت حتى تستطيع المركبات العمل في مكان له جاذبية صغيرة جدًا، وقدرة على العمل لساعات أطول للسير في الفضاء، سنتمكن من استكشاف هذه العوالم.

ستتحدد ميزانية أوباما لعام 2015 خلال الشهرين القادمين. ويجب على ناسا أن تتخذ خيارًا واضحًا حول أولوياتها. عليها أن تتخلى عن مهمة ARM وتجعل استكشاف الكويكبات أولويتها القصوى لتوفير أساس لمهمات رواد الفضاء المستقبلية.

يجب على إدارات ناسا لاستكشاف الإنسان، تكنولوجيا الفضاء، العلوم وغيرها من الإدارات الأخرى، أن يقوموا بتجميع مواردهم لمواجهة التحدي الكبير الذي أعلنت عنه الوكالة. وينبغي على الكونغرس والبيت الأبيض أن يمولوا سلسلة جديدة من المهمات التي تدعم التعاون الناتج عن الاستكشاف، التكنولوجيا والعلوم من أجل منفعة البشرية.

ينبغي على مهمة التحدي الكبير أن تدعم رحلات الفضاء البشرية ومستقبل الإنسانية. إذ يجب أن تكون على غرار برنامج (New Frontiers) لمسابير الكواكب ومع ميزانية مماثلة له إذ إن تكلفة كل منها أقل من 800 مليون دولار والتي تم اختيارها من خلال مسابقة ما. التعريف المسبق بالأهداف سيقود التطور نحو أفضل الأفكار وتحسين التخطيط طويل الأجل من خلال الصناعة والنشاط الأكاديمي.

يجب علينا أن نتفحص ثلاثة مفاهيم متعلقة بالكويكبات: أولًا، استكشاف الكويكبات للعثور على سلسلة من الأهداف البشرية المؤدية إلى المريخ بينما يتم انجاز المتطلبات لدراسة جورج براون جونيور لعام 2005. ثانيًا، منافسة لاختبار الطرق الروبوتية لتحويل مسار الكويكبات والتي من الممكن أن يعتمد عليها بقاء حضارتنا يومًا ما. ثالثًا، اختبارٌ آخر للطرق الآلية لاستخراج الماء أو استخراج موارد أخرى قيّمة من الكويكبات والتي قد تسهم في الحفاظ على ارتياد البشر للفضاء لعقود قادمة.

ينبغي لناسا أن تعود إلى المسار الصحيح لتحقيق القفزة العملاقة للبشرية في الفضاء.


 

Nature (المصدرالأصلي)

مصدر الصورة

 

Comments are closed.