كن فضولياً لتحفظ أسرع

ترجمة: فارس بوخمسين

“نواجه يومياً الكثير من المعلومات الجديدة، ولكن حتى أصحاب الذاكرة الجيدة سيتذكرون جزءاً بسيطاً مما حدث قبل يومين.” جاء ذلك في تصريح شاران رانقاناث، عالم النفس في جامعة دافيس بكاليفورنيا، وأحد الباحثين الذين نشروا دراسة جديدة في مجلة “الأعصاب”، والتي تقترح أن كيمياء الدماغ تتغير عندما نكون فضوليين، مما يساعدنا على التعلم بشكل أفضل لحفظ على المعلومات.

كان رانقاناث فضولياً لمعرفة لماذا نميل إلى حفظ بعض المعلومات ونسيان بعضها الأخر. ولهذا، جمع مع زملائه 19 متطوعاً وسألوهم 100 سؤال تافه. أسئلة مثل: “هل تعلم ماذا يعني مصطلح ديناصور؟”، و “ما هي أغنية فرقة البيتلز التي بقيت في أعلى قائمة الأغاني المطلوبة لمن 19 أسبوعاً؟”. ليقوم المشاركون بعدها بتقييم كل سؤال من ناحية شعورهم بالفضول لمعرفة الجواب.

وبعدها، قام الجميع بمراجعة الأسئلة والأجوبة بينما كان العلماء يراقبون نشاطهم الدماغي عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. فوجد العلماء أن أجزاء الدماغ المسؤولة عن شعور اللذة والمتعة تعمل بنشاط أكبر عند إثارة الفضول. كما أظهرت العقول الفضولية نشاطاً أكبر عند منطقة الحصين، التي تلعب دوراً في بناء الذاكرة. قال رانقاناث شارحاً: “هناك دائرة عصبية أساسية في الدماغ تدفع الناس للسعي وراء الأشياء التي تعد مرضية للذات. وتعمل هذه الدائرة عندما نحصل على المال أو الحلوى، كما تعمل أيضاً عندما نكون فضوليين.”

تقوم أدمغتنا بإطلاق مركب كيميائي يسمى بالدوبامين عندما يتم تفعيل هذه الدائرة، مما يشعرنا بالنشوة. وقال رانقاناث أيضاً: ” يبدو إن الدوبامين يلعب دوراً في تحسين التواصل بين الخلايا التي تساهم في التعلم.” وبالفعل، عندما قام العلماء لاحقاً باختبار المشاركين لمعرفة ماذا تعلموا، وجدوا أن هؤلاء الفضوليين كان من المحتمل أن يتذكروا الأجوبة الصحيحة أكثر لاحقاً.

وقد كان هناك حيلة أخرى في دراسة رانقاناث، فقد قام العلماء وبشكل عشوائي خلال الدراسة بإظهار صور لأوجه عشوائياً، بدون أي يقدموا أي تفسير للمشاركين. فوجوا أن الأشخاص المثارين هم الأكثر تذكراً للأوجه. وقد أندهش العلماء لمعرفة أن العقول الفضولية ليست أفضل في تعلم الموضوع الأساسي فحسب، بل حتى المواضيع الجانبية وحتى المملة والحادثية.

ويشرح رانقاناث بالقول: “فلنقل إنك كنت تشاهد الحلقة الأخيرة من برنامجك المفضل “Breaking Bad”، فلو كنت معجباً كبيراً بالبرنامج فسوف تكون فضولياً جداً لمعرفة مصير البطل الرئيسي في القصة، والتز وايت، وسوف تتذكر بلا شك ما حدث في الحلقة، كما ستتذكر أيضاً ماذا أكلت قبل أن تشاهد الحلقة وماذا فعلت بعدها مباشرةً.”

تقول مساعدة البروفسورة إيفي مالايا في المركز الجنوبي الغربي للعقل، الدماغ والتعليم في جامعة تكساس: “يمكن للمدرسين أن يستخدموا هذه الظاهرة لمصلحتهم في التعليم في الفصول. فلنفترض أن طفلاً يريد أن يصبح رائد فضاء في المستقبل. حسناً، كيف يمكنك أن تربط بين هذا الهدف وتعلم جدول الضرب؟ يمكن للمعلم أن يسأل طلابه سؤالاً لفظياً مثيراً للاهتمام له علاقة باستكشاف الفضاء.”

عند نهاية الحصة، سيتذكر الطلاب جواب السؤال اللفظي، ولكنهم سيتذكرون أيضاً كيف وجدوا الجواب عبر جدول الضرب. وتكمل قائلة: “هذا يضع الطفل في موقع القيادة. إنهم يشعرون بالمتعة عندما يكتشفون شيئاً ما ويقومون ببناء المعرفة بأنفسهم. لقد كان المدرسين يستخدمون هذه الطريقة بشكل فطري منذ سنين، ويوجد هناك الآن الدليل العلمي لدعمها. فالفضول هو أحد الحوافز الأساسية والشديدة في البشر، ويجب علينا أن نؤسس التعليم على هذا السلوك.”

فيا ترى ما المميز في الفضول ليكون له تأثيراً كبيراً كهذا؟ يقترح رانقاناث أنه استجابة تطورية، فيقول: “لقد بدأنا نعتقد بأن شعور الفضول يعكس دافع طبيعي لتقليل شكنا في فهمك للعالم. ولذا فإنك عندما تعرف شيئا عن موضوع ما، ولكنك اكتشفت أن هناك هوة في وسط معرفتك فإن الرغبة ستسيطر عليك لملئها.” وقد وضع رانقاناث وزملاؤه نظريةً قائلة بأن هذا هو السبب وراء كوننا معرضين بشكل أكبر لتذكر التفاصيل الإضافية الغير مرتبطة بموضوع فضولنا الأساسي. وقال: “إن عملنا يقترح بأن الحالة الدافعية للفضول العالي بإمكانها مساعدتك لتذكر ما تعلمت بشكل أفضل.”

ويقترح رانقاناث  إذا كنت في مواجه مهمة لتذكر معلومة غير لافتة لانتباهك فعليك أن تخدع دماغك ليتفاعل مع المعلومة، وذلك عبر تحديد الفجوة في معرفتك للموضوع الذي يهمك، ومن ثم التحقق منه قبل البدأ بالمهمة الروتينية في متناول يدك. ويقول: “إذا كان عليك تعلم شيءٍ ما، فمن المهم أن تحفز فضولك.”

المصدر: الراديو العام الوطني 

المصدر الثاني: مجلة التايمز

البحث الأصلي

Comments are closed.