الانقلاب الوشيك للمجال المغناطيسي الأرضي

ترجمة: غالية الجبرتي
مراجعة: لجين علي المرحبي

لقد انقلب قطبا الأرض المغناطيسيين الشمالي والجنوبي عدة مرات في تاريخ كوكبنا، وكان أخر انقلابٍ حدث قبل حوالي٧٨٠،٠٠٠ سنة. ويعتقد علماء الجيوفيزياء الذين يقومون بدراسة المجال المغناطيسي للأرض منذ فترة طويلة بأن قطبي المجال المغناطيسي للأرض قد يكونان على استعداد للانقلاب مرة أخرى، وبالاعتماد على بياناتٍ جديدةٍ قد يحدث الأمر في وقت قريب أقرب بكثير مما توقع أي أحد من قبل.

كشفت مجموعة الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الاوروبية والمسماة “سوارم” بأن المجال المغناطيسي للأرض يضعف بما يعادل عشر مرات أسرع مما كان متوقعاً سابقاً، إذ تضعف قوته بمعدل ٥٪ في العقد بدلاً من ٥٪ في القرن. وإن ضعف المجال المغناطيسي قد يشير إلى انقلابٍ وشيكٍ، إذ يتنبأ العلماء بأن الانقلاب سيحدث في أقل من ٢٠٠٠ سنة، فالقطب الشمالي نفسه يبدو وكأنه يتجه نحو سيبيريا.

مازال علماء الجيوفيزياء لا يفهمون تماما عملية انقلاب المجال المغناطيسي الجيوغرافي للأرض، ولكنهم يتفقون على أن المجال المغناطيسي لكوكبنا يشبه المجال لمغناطيس ثنائي القطب. فمركز الارض يتكون من لبٍ داخليٍ من الحديد الصلب، ولبٍ خارجيٍ من الحديد السائل والذي يعتبر موصلاً جيداً. يعتبر الحديد السائل في اللب الخارجي قابلاً للطفو، فعندما يسخن بالقرب من اللب الداخلي يرتفع ليبرد ثم يغوص للأسفل. إن حركة الارض حول محورها تلف هذا الحديد المتحرك لتكوّن مجالاً مغناطيسياً ذاتي الاستمرار بقطبين شماليٍ وجنوبيٍ.

بين الحين والآخر، يضطرب سيلان الحديد السائل محلياً ليحرف معه جزءًا من المجال المغناطيسي في الاتجاه المعاكس ويضعفه. إن السبب خلف ما يثير هذه الاضطرابات غير معروفٍ حتى الان. ولكنها تبدو وكأنها نتيجةٌ حتميةٌ لنظامٍ طبيعيٍ وفوضويٍ، ويرصد علماء الجيوفيزياء هذه الاضطرابات بشكلٍ دوريٍ في برامج المحاكاة بالحاسب. ويصف جاري جلاتزماير، الجيوفيزيائي بجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا كروز، هذه الظاهرة بقوله: “إنها أشبه بالأعاصير، إذ لا تستطيع أن تتنبأ أين ومتى سيبدأ الانقلاب بالضبط، حتى وإن كنت تعلم أساسيات الفيزياء.”

عادةً، يتلاشى الانقلاب المحلي بعد قرابة ١٠٠٠ سنة أو ما يقاربها، ولكن في بعض الأحيان يستمر الانحراف بالانتشار حتى ينجح في نهاية المطاف بعكس قطبي كل المجال المغناطيسي. ويستغرق الانقلاب في المتوسط ٥٠٠٠ سنة، ولكنه قد يحدث بسرعة في ١٠٠٠ عام أو قد يحدث ببطء خلال ٢٠،٠٠٠ عام.

ولكن يوجد هناك احتمال كبير بأن المجال المغناطيسي الذي يضعف باستمرار والذي رصدته أقمار “سوارم” الصناعية لن يؤدي إلى انقلابٍ كاملٍ. حيث أشار جلاتزماير إلى أنه كانت هناك بدايات زائفة في التاريخ الجيولوجي. فشدة المجال المغناطيسي وعلى الرغم من اضمحلالها ما زالت تساوي الان متوسط قوتها على مدى ملايين السنين. حيث يجب أن يضعف المجال المغناطيسي بنفس معدله الحالي لحوالي ٢٠٠٠ عام قبل أن تبدأ عملية الانقلاب فعلياً.

من الصعب جداً أن نعلم كيف سيؤثر الانقلاب المغناطيسي للأرض على حضارتنا اليوم، ولكنه من غير المحتمل بأنه سيتسبب بكارثة. وعلى الرغم من أن المجال المغناطيسي يوفر حمايةً أساسيةً من أشعة الشمس القوية، لم تكشف السجلات الأحفورية عن اي حوادث انقراض جماعي  ولا عن اي تضرر زائد من الإشعاعات خلال الانقلابات الماضية. ولكن الانقلاب قد يتداخل مع شبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات، حيث سببت اضطرابات المجال المغناطيسي الخارجي في الماضي حرق المحولات وقطع التيار الكهربائي. ولكن جلاتزماير غير قلق بشأن ذلك حيث قال: “بعد ألف سنةٍ من الآن لن يكون لدينا خطوط كهرباءٍ على الأرجح، سنكون قد تطورنا كثيراً لدرجة أنه ستكون لدينا التكنولوجيا القادرة على التعامل مع انقلاب المجال المغناطيسي للأرض.”

 

سوارم:swarm

المصدر: (Scientific American)

 

Comments are closed.