علماء يكتشفون رابطاً بين جهاز المناعة والصحة العقلية

ترجمة: فاطمة الرحيمي
مراجعة: معاذ الدهيشي

وفقاً لبحث جديد فإن الأطفال الذين لديهم مستويات عالية بشكل يومي من البروتينات التي تفرز استجابةً للعدوى في الدم، يواجهون خطر أكبر في الإصابة بالاكتئاب والذهان بعد مرحلة البلوغ. الدراسة نشرت في دورية JAMA Psychiatry، وتشير أن الامراض العقلية والأمراض الجسدية المزمنة – مثل: أمراض القلب، ومرض السكري النوع الثاني – قد تتشارك في نفس الآليات الحيوية.

عندما نتعرض للعدوى – كالانفلونزا أوجرثومة المعدة – فإن جهازنا المناعي يقاتل لكي يزيل سيطرة العدوى واعادة سيطرة جهازنا المناعي على جسمنا. خلال هذه العملية تغمر الخلايا المناعية مجرى الدم ببروتينات معينة مثل IL-6 (وهو مؤشر حيوي لوجود عدوى). حتى عندما نكون بصحة جيدة, أجسادنا تحمل مستوى ضعيف من هذه البروتينات – التي تسمى أيضاً علامات الالتهاب (‘inflammatory markers’) – ويرتفع مستواها بشكل كبير استجابة للعدوى.

أجرى الباحثون هنا أول دراسة طويلة المدى – وهي دراسة تقوم بتتبع جماعة معينة من الناس على مدى فترة طويلة من الزمن – لفحص الرابط بين مستوى هذه البروتينات – علامات الالتهاب – في مرحلة الطفولة والأمراض العقلية لاحقاً.

درس الفريق بقيادة علماء من جامعة كامبريدج عينة من 4,500 فرداً بأخذ عينات من الدم في سن التاسعة مع متابعتهم حتى عمر 18 عاماً ليروا إذا كانت حياتهم اليومية بها نوبات من الاكتئاب أو الذهان. قسّم الفريق هذه العينة من الأفراد الى 3 مجموعات اعتماداً على ماكانت عليه  مستويات بروتين IL-6 في حياتهم اليومية إلى: منخفض, ومتوسط, وعالي.

وجد الباحثون أن الاطفال الذين كانوا في المجموعة التي لها مستوى عالي من بروتين IL-6 كانوا أكثر عرضة مرتين للإصابة بالاكتئاب أو الذهان من أولئك الذين في المجموعة المنخفضة.

الدكتور غلام خاندكير – من قسم الطب النفسي في جامعة كامبريدج – الذي قاد الدراسة، يقول: “النظام المناعي لدينا يعمل مثل جهاز لتنظيم الحرارة (Thermostat)، وهو على درجة منخفضة معظم الوقت لكنه يصعد عندما يتعرض الجسم لعدوى. في بعض الناس يكون لديهم جهاز تنظيم الحرارة مرتفع قليلاً على الدوام, ويتصرف كما لو أن هناك مستوى منخفض ومستمر من العدوى. هؤلاء الناس يبدو أن لديهم احتمالية عالية للإصابة بالاكتئاب أو الأمراض الذهانية لكنه من المبكر جداً أن نصف هذه العلاقة كسببية، ونحن نجرى حالياً دراسات إضافية لدراسة هذا الرابط”.

ويشير البحث أن الامراض المزمنة مثل: مرض القلب التاجي, ومرض السكر النوع الثاني يحتمل أن تشترك في آلية حيوية مع الأمراض العقلية. من المعروف أن الأشخاص المصابون بالاكتئاب أو انفصام الشخصية لديهم احتمالية عالية جداً للإصابة بأمراض القلب والسكر، وارتفاع مستوى بروتين IL-6 كما سبق وبينّا يزيد أيضاً من خطر الاصابة بأمراض القلب والنوع الثاني من السكر!

البروفيسور بيتر جونز – رئيس قسم الطب النفسي في الجامعة نفسها ومشارك في الدراسة – يقول : قد تكون عملية الالتهاب “Inflammation” هي الآلية المشتركة التي تؤثر على صحتنا الجسدية والعقلية. من الممكن أن المحن والضغوط في بداية حياتنا تؤدي الى الزيادة المستمرة في مستويات IL-6 أو علامات الالتهاب الأخرى بالجسم, والتي بدورها تزيد من خطر الاصابة بعدد من الأمراض المزمنة الجسدية والعقلية”. المجموعة البحثية تخطط لدراسات إضافية لتأكيد إذا كان الالتهاب هو الرابط المشترك بين الامراض الجسدية المزمنة والأمراض العقلية.

في الواقع أن انخفاض الوزن عند الولادة – وهو علامة على ضعف نمو الجنين – يرتبط مع زيادة المستوى اليومي لعلامات الالتهاب ويؤدي الى مخاطر كبيرة مثل أمراض القلب والسكر والاكتئاب وانفصام الشخصية بعد مرحلة البلوغ.

هذه الآلية المشتركة المحتملة يمكن أن تساعدنا في تفسير كيف أن ممارسة الرياضة البدنية والنظام الغذائي الصحي – وهي الطرق الكلاسيكية للحد من خطر الاصابة بأمراض القلب – تسهم في تحسين المزاج وتساعد المصابين بالاكتئاب.

بطريقة مثيرة للاهتمام لمح البحث أنه من المحتمل علاج أمراض مثل الاكتئاب بالعقاقير المضادة للالتهاب ! هذه العقاقير تؤدي إلى هبوط مستويات علامات الالتهاب الى وضعها الطبيعي. وقد أشارت بحوث سابقة أن الأدوية المضادة للالتهاب مثل الاسبرين إذا استخدمت بالتزامن مع الادوية المضادة للذهان فإنها قد تكون أكثر فعالية من مضادات الذهان لوحدها.

هناك دراسة ضخمة تقام حالياً شاركت فيها  عدة مراكز بحثية، تدرس ما إذا كان المضاد الحيوي “المينوسكلين” minocycline – الذي يستخدم لعلاج حب الشباب – يمكن استخدامه لعلاج فقدان المتعة، والعزلة الاجتماعية, واللامبالاة، وغيرها مما يسمى بالأعراض السلبية لمرض الانفصام النفسي (الشيزوفرينيا). هذا المضاد الحيوي “المينوسكلين” قادر على اختراق ‘حاجز الدم والدماغ’؛ وهو حاجز ذو نفاذية انتقائية عالية يحمي الجهاز العصبي المركزي من المواد الضارة المحتملة التي تجري في أوعية الدم.

حاجز الدم والدماغ هو أيضاً سبب الغموض المحتمل التي أثارته عدة بحوث مؤخراً – مثل البحث الآنف – مما يدفعنا للسؤال: كيف يكون لنظام المناعة تأثير على الدماغ في حين أن الكثير من علامات الالتهاب و الأجسام المضادة لا يمكنها اختراق هذا الحاجز؟

تشير الدراسات التي جرت على الفئران أن الجواب قد يكمن في ‘العصب المبهم’ vagus nerve الذي يربط الدماغ بأحشاء البطن, حيث عندما يتم تفعيله عن طريق علامات الالتهاب في الجهاز الهضمي فإنه يرسل إشارة الى الدماغ تتسبب في تحفيز الخلايا المناعية وبالتالي إنتاج بروتينات مثل IL-6 مما يؤدي الى زيادة علميات التمثيل الغذائي وانخفاض مستويات الناقل العصبي ‘السيروتنين’ serotonin – أو هرمون السعادة- في الدماغ نتيجة لذلك. وبالمثل فإن هذه الإشارة تؤدي إلى زيادة في مواد كيميائية سامة داخل الدماغ مثل أكسيد النيتروجين nitric oxide، وحمض الكوينولينيك Quinolinic acid، وحمض كينورينيك kynurenic acid، والتي تعتبر سيئة لوظيفة الخلايا العصبية.

 


University of Cambridge (المصدر الأصلي)

JAMA Psychiatry

 

Comments are closed.