المغناطيس يساعد في إعادة تهيئة أدمغة المصابين بالاكتئاب

ترجمة: سعاد السقاف

أظهر الباحثون أن بإمكان النبضات المغناطيسية الغير-غازيةٍ أن تعيد تهيئة النشاط الغير صحي في مناطق الدماغ التي تُعرف بنشاطها المفرط لدى مرضى الاكتئاب.

تُعرف هذه التقنية بـ”التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة”، وقد أظهرت قدرتها في علاج الاكتئاب المستمر، فضلاً عن دورها في تعزيز ذاكرة الناس ومساعدة الذين يعانون من شلل الرعاش (مرض باركينسون)، وكذلك في مساعدة مرضى السكتة الدماغية على التحدث مرةً أخرى. لكن هذه هي المرة الأولى التي تمكن فيها الباحثون من معرفة آلية عملها على المستوى العصبي، وقد كانت النتائج مثيرةً للإعجاب.

قالت الباحثة الرئيسية سارينا أوبوتشي من جامعة نوتنغهام بالمملكة المتحدة في مؤتمرٍ للكلية الأوروبية لعلم النفس العصبي بأمستردام: “لقد وجدنا بأن جلسةً واحدةً من “التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة” تعدّل الارتباط بين شبكات الدماغ على نطاقٍ واسعٍ، وخاصة في الجزيرة الأمامية اليمنى من الدماغ، والتي تُعد منطقةً محوريةً لمرضى الاكتئاب.”

الجزيرة الأمامية اليمنى هي جزءٌ من قشرة الفص الجبهي، ويرتبط فرط نشاط هذه المنطقة بالتفكير المفرط ولوم الذات وضعف الانتباه لدى مرضى الاكتئاب. ولكن تعريض المنطقة لنبضاتٍ مغناطيسيةٍ قويةٍ ومباشرةٍ لدى 16 فرداً من الأصحاء و16 آخرين من اصحاب الاضطراب اكتئابي أظهرت أن التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة تمكن من إبطاء نشاط المنطقة لدى من يعانون الاكتئاب.

والأفضل من ذلك أن تقنية التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة خاليةٌ من العقاقير وغير مؤلمةٍ، والأثر الجانبي الوحيد المعروف لها هو صداعٌ في بعض الأحيان. كما أن استخدام هذه التقنية لا يتطلب سوى جهازٍ لتطبيقها على رأس المريض. ولكن على الرغم من موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية على استخدام تقنية التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة في نطاقٍ محدودٍ لمرضى الاكتئاب منذ 2008 مـ، إلا أن استخدامها لم يتوسع حتى الآن.

تعد هذه أول دراسة تستخدم فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي لتوجيه نبضات التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة، ومن ثمة قياس التغييرات التي تحدثها في الدماغ. وتشير النتائج إلى أن هذا العلاج قد يقدم بديلاً ضرورياً جداً لثلث مرضى الاكتئاب الذين لا يظهرون استجابةً لمضادات الاكتئاب التقليدية مثل ليكسابرو و بروزاك.

حيث يُنصح هؤلاء المرضى حاليا بمحاولة العلاج الكهربائي أو ما يعرف أحيانا بالعلاج بالصدمة الكهربائية، والتي يمكن أن تكون فعّالةً ولكنها تستلزم التخدير وقد تصل أعراضها الجانبية إلى فقدان الذاكرة. وقد وُجد أن النبضات الكهربية القصيرة المحددة قد تكون أكثر لطفاً ولكنها تحتاج أيضاً إلى التخدير العام والعديد من جلسات العلاج. من الجدير بالذكر أن العلماء مازالوا يجهلون آلية عمل الصدمة الكهربائية بشكلٍ دقيقٍ حتى الآن. بينما نجد أن تقنية التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة لا تتطلب أدويةً ويبدأ مفعولها بعد جلسة واحدة. والأهم من ذلك أن هذه الدراسة تظهر التغييرات العصبية التي ستؤدي إلى نتائج إيجابيةٍ على الأرجح.

بالطبع هناك عدة قيودٍ على هذه الدراسة، وأقلها وهو صغر حجم العينة. كما أنها لا تقدم دليلاً على إذا ما كانت التغييرات العصبية طويلة المدى أم لا. لكن آخر علاجٍ جديدٍ لمرض الاكتئاب كان منذ 30 عاماً، ولهذا فإن هذه الأبحاث توفر أملاً مُحتاجاً وبشدة للمرضى وأسرهم.

تعلق عالمة الأعصاب في جامعة أكسفورد والتي لم تشارك في الدراسة كاثرين هارمر في حديثها لواشنطن بوست نيابةً عن الكلية الأوروبية لعلم النفس العصبي: “إن هذه النتائج خطوةٌ مثيرةٌ في فهم كيفية استهداف نشاط الدماغ عبر التحفيز المغناطيسي، وقد تقدم آثاراً مفيدةً في علاج الاكتئاب” وتضيف: “إن تقنيات التحفيز المغناطيسي العابر للجمجمة ما زالت تتطور، وإن هذا النوع من الدراسات التجريبية الدوائية ضروريةٌ لتطوير تشخيصٍ وعلاجٍ فرديٍ للاكتئاب مستقبلاً.”

المصدر (sciencealert)


بالتحفيز المغناطيسي للجمجمة: transcranial magnetic stimulation
سارينا أوبوتشي: Sarina Iwabuchi
جامعة نوتنغهام: University of Nottingham
الجزيرة الأمامية اليمنى: right anterior insula
ليكسابرو: Lexapro
بروزاك: Prozac
العلاج بالصدمات الكهربائية: electroconvulsive therapy
كاثرين هارمر: Catherine Harmer

Comments are closed.