ما هو أصغر شيءٍ في الكون؟

ترجمة: سعاد السقاف.
مراجعة: عبدالحميد شكري.
تطورت الإجابة على هذا السؤال المتأصل مع تقدم الإنسانية. حيث اعتقدَ الناس بدايةً أن حبيبات الرمل هي وحدة البناء الأساسية لكل ما نراه من حولنا حتى تم اكتشاف الذرة، والتي كان يُعتقد أنها غير قابلة للتجزئة. إلى أن تم شطرها لتظهر البروتونات، النيوترونات، والالكترونات داخلها، وبدت هذه أنها الجسيمات الأساسية، حتى اكتشف العلماء أن كلاً من النيوترونات والبروتونات مكونةٌ من ثلاث كواركات.

يقول الفيزيائي آندي باركر: “لم نكن قادرين هذه المرة من رؤية أي دليلٍ على الإطلاق يشير إلى وجود شيءٍ داخل الكواركات”، ويتسائل: “هل وصلنا إلى الطبقة الأساسية للمادة؟”. ويقول باركر أنه حتى وإن كانت الكواركات والإلكترونات غير قابلة للتجزئة، فالعلماء لا يعلمون ما إذا كانت هذه أصغر وحدة للمادة في الوجود، أم أن الكون يحتوي أجساماً أصغر منها. ولقد استضاف باركر أستاذ فيزياء الطاقة العالية بجامعة كامبيردج في انجلترا مؤخراً برنامجاً تلفزيونياً خاصاً على قناة بي بي سي تو البريطانية بعنوان: “الأفق: ما مدى صغر هذا الكون ؟”

أوتارٌ أم نقاط؟

تتصرف الجسيمات الضئيلة مثل الكواركات والإلكترونات كنقاطٍ منفردةٍ من المادة خلال التجارب من دون توزيع مكانيّ. لكن الأجسام النقطية تجعل قوانين الفيزياء معقدةً، لأنك عندما تقترب من نقطة ما بشكل لامتناهٍ تصبح القوة التي تؤثر عليها كبيرة بشكل لا متناهٍ، والعلماء يكرهون اللانهائيات.

لحل هذه المشكلة ظهرت فكرةٌ تدعى بنظرية الأوتار الفائقة. إذ تفترض هذه النظرية أن الجسيمات في الواقع حلقات أوتارٍ صغيرةٍ بدلاً من أن تكون نقطةً. ولا شيء يمكنه الاقتراب بشكل لامتناهٍ من حلقة الأوتار، لأنه سيكون دائماً أقرب قليلاً إلى أحد الأجزاء عن الآخر. يبدو أن ذلك “المهرب” قادراً على حل بعض مشاكل الانهائيات، مما جعل هذه الفكرة جذابةً للفيزيائيين. إلا أنه ليس للعلماء أي إثباتٍ عمليّ على صحة نظرية الأوتار حتى الآن.

هناك طريقةٌ أخرى لحل مشكلة النقطة، وهي القول أن الفضاء نفسه ليس متصلاً وسلساً، ولكنه في الواقع عبارة عن بكسلاتٍ منفصلةٍ أو حبيباتٍ تعرف باسم رغوة الزمكان. في هذه الحالة، فإنه لن يكون ممكناً لجسيمين أن يقتربا بشكل لا متناهٍ من بعضها البعض لأنهما سيكونان دئماً مفصولين بأصغر حجمٍ لحبيبة من الفضاء.




مُنفردة الجاذبية
المنافس الآخر على لقب أصغر شيءٍ في الكون هي منفردة الجاذبية التي تقع في مركز الثقب الأسود. إذ تتشكل الثقوب السوداء عندما تتكاثف المادة في مساحةٍ صغيرةٍ بما فيه الكفاية لتكون الجاذبية مسيطرةً مما يؤدي إلى سحب المادة إلى الداخل أكثر فأكثر، حتى تتركز في نهاية المطاف في نقطةٍ واحدةٍ لا متناهية الكثافة، وذلك وفقاً لقوانين الفيزياء الحالية.

لكن معظم الخبراء لا يعتقدون بالكثافة اللامتناهية للثقوب السوداء. بل يعتقدون أن مشكلة اللانهائية هذه ناتجةٌ من صراعٍ متأصلٍ بين النظريتين المهيمنتين، وهما النسبية العامة وميكانيكا الكم، وأنه عند صياغة نظرية الجاذبية الكمومية سيتم الكشف عن الطبيعة الحقيقية للثقوب السوداء.

يقول أستاذ فيزياء الطاقة العالية في حديثه لـ”لايف سينس”: “تخميني هو أن منفردات الثقوب السوداء أصغر بكثيرٍ من الكواركات ولكني لا أعتقد أنها ذات كثافةٍ مطلقةٍ.” ويضيف: ” إنها على الأرجح أصغر بمليون مليون مرةٍ أو ربما أكثر قليلاً من أصغر مسافاتٍ رأيناها حتى الآن.” ومن شأن ذلك أن يجعل المفرديات بحجم الأوتار الفائقة تقريباً، إن كانت موجودة.

طول بلانك:
ربما يتبين أن لكلٍ من الأوتار الفائقة، المنفردات، وحبيبات الكون أحجاماً تقارب “طول بلانك”. حيث إن طول بلانك هو 1.6×〖10〗^(-35) متراً (أي الرقم 16 يسبقه 34 صفراً بعد الفاصلة) وهو مقياسٌ صغيرٌ جداً بشكلٍ لا يمكن إدراكه والذي يتدخل في ظواهر مختلفةٍ في الفيزياء.

يعد طول بلانك صغيراً للغاية لدرجة أنه لا توجد أي أداةٍ لقياسه حالياً. والأكثر من ذلك، يُعتقد أنه يمثل الحد النظري لأقصر طولٍ ممكن القياس. فوفقاً لمبدأ اللايقين، لا توجد أداةٌ يمكنها قياس ما هو أصغر من ذلك، لأنه في هذا النطاق يصبح الكون خاضعاً للاحتمالات وغامضاً. كما يُعتقد أيضاً أن هذا المقياس هو الخط الفاصل بين النسبية العامة وميكانيكا الكم.

يقول باركر: “إنه يمثل المسافة التي يكون مجال الجاذبية فيها قوياً جدًا بحيث يمكنها صنع أشياء مثل الثقوب السوداء بواسطة طاقة المجال.” ويضيف: “يُعتقد أنه عند طول بلانك تتولى الجاذبية الكمومية زمام الأمور.” وربما تكون أصغر الأشياء في الكون كلها هي تقريباً بقياس طول بلانك.

المصدر: (livescience)

البروتونات (protons)
النيوترونات (neutrons)
الالكترونات (electrons)
كواركات (quarks)
آندي باركر (Andy Parker)
جامعة كامبيردج في انجلترا (England’s Cambridge University)
بي بي سي تو البريطانية (U.K.’s BBC Two)
نظرية الأوتار الفائقة (superstring theory)
لايف سينس (LiveScience)
طول بلانك (Planck length)
مبدأ اللا يقين: Uncertainty Principle
المنفردة (Singularity)

Comments are closed.