كيف نستفيد من البحث عن الحياة الفضائية؟

كتابة: إيان كراوفورد.
ترجمة: محمد حبشي.
مراجعة: سلمى الحبشي.

يُعد البحث عن حياةٍ في بقية الكون أحد أكثر الجوانب إلحاحاً في العلوم الحديثة،  حيث خُصصت مواردٌ كبيرةٌ لفرع علم الأحياء الفلكية الحديث نظراً لأهميتها العلمية، بدءاً من المركبات الجوالة الموجودة على سطح المريخ إلى رصد المناظير للكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى.

ستكون الجائزة الكبرى لكل هذا الزخم اكتشاف الحياة الفضائية، وسيكون لمثل هذا الاكتشاف آثارٌ علميةٌ وفلسفيةٌ عميقةٌ. ولكن الحياة خارج كوكب الأرض لم تًكتشف إلى الآن، وربما لا تكون موجودةً أساساً بحسب ما نعرفه. ولحسن الحظ، لن نخسر كل شيءٍ حتى إن لم يُكتشف الفضائيون على الإطلاق؛ فمجرد البحث عن تلك الكائنات سيُسفر عن فوائد قيمةٍ للمجتمع.

لماذا؟
أولاً، إن علم الأحياء الفلكية علمٌ متعدد التخصصات بطبيعته، فالبحث عن الفضائيين يتطلب فهماً لكلٍ من علم الفلك، الأحياء، الجيولوجيا، وعلوم الكواكب على الأقل، ويجب أن تغطي مناهج المرحلة الجامعية عناصر من كلّ هذه التخصصات المختلفة، وبالمثل فإن باحثي مرحلة الدراسات العليا وما بعد الدكتوراه في مجال الأحياء الفلكية يجب أن يكونوا على درايةٍ بمعظم أو كلّ هذه التخصصات.

إن علم الأحياء الفلكية يحفز إعادة توحيدٍ جزئيٍّ للعلوم بإجبار هذه التخصصات العلمية على التفاعل معاً، فهو يساعد على نقل علم القرن الحادي والعشرين بعيداً عن التخصص الشديد الذي نراه اليوم، والعودة إلى النظرة متعددة التخصصات التي سادت في العصور السابقة.

إن دراسة علم الأحياء الفلكية تثري المنظومة العلمية كلها من خلال إنتاج علماءٍ واسعي الأفق يألفون الجوانب المتعددة من العالم الطبيعيّ، حيث يُمكن التنبؤ بالاكتشافات المستقبلية من هذا التخصيب المتبادل للأفكار، ومثل هذه الاكتشافات ستشكل إرثاً دائماً لعلم الأحياء الفلكية، حتى وإن لم تشتمل على اكتشاف حياةٍ فضائيةٍ.

من المهم أيضاً أن ندرك أن علم الأحياء الفلكية رحلةٌ مستمرةٌ مذهلةٌ، فالبحث عن الحياة في الكون يأخذنا من البيئات القاسية على الأرض، إلى السهول وما تحت سطح كوكب المريخ، ومن الأقمار الجليدية للكواكب العملاقة، حتى الأعداد اللا نهائيةٍ من الكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى. وسيستمر هذا البحث بغض النظر عن إمكانية العثور على حياةٍ في تلك البيئات أم لا، فأن نطاق البيئات الجديدة كلياً المتاحة للبحث سيكون غير محدودٍ، وبهذا يُحتمل أن يكون مصدراً لا نهائيٍ للتحفيز الفكريّ والعلميّ.

المنظور الكونيّ
بجانب الفوائد الفكرية الأضيق نطاقاً للأحياء الفلكية، هناك نطاقٌ أوسع من الفوائد الاجتماعية، وتنشأ هذه الفوائد الاجتماعية من وجهات النظر الكونية التي يعززها دراسة علم الأحياء الفلكية بطبيعة الحال.

فليس من الممكن البحث عن حياةٍ على كوكب المريخ أو أي كوكبٍ يدور حول نجمٍ بعيدٍ بدون الابتعاد عن المنظورات الضيقة، كتلك القائلة بمحورية كوكب الأرض والتي تهيمن على الحياة الاجتماعية والسياسية لمعظم الناس في معظم الأحيان. فالأرض تواجه اليوم تحدياتٍ عالميةً لا يمكن مجابهتها إلا بالتعاون الدوليّ المتزايد، إلا أن الأفكار القومية والدينية تعمل على محاولة تفتيت الإنسانية في جميع أنحاء العالم، وفي مثل هذا الزمن يمكن أن يكون لنمو المنظور الكونيّ الموّحِد أهميةٍ كبيرةٍ.

في السنين الأولى من عصر الفضاء، قال السفير الأمريكيّ في منظمة الأمم المتحدة أدلاي ستيفنسون للعالم: “لا يمكن أن نكون عصابةً من الدول المتشاجرة مجدداً أمام الفخامة الفظيعة للفضاء الخارجيّ”. ولسوء الحظ، لم يُغرس هذا التفكير في الوعي الشعبيّ حتى الآن. وعلى الجانب الآخر، فإن اهتمام العامة بالبحث عن الحياة في أماكنٍ أخرى يعني أن علم الأحياء الفلكية يمكن أن يعمل كأداةٍ تعليميةٍ قويةٍ لتعميم هذا المنظور.

في الواقع، لن نتمكن من الحصول على صورٍ لكوكبنا في محيطه الكونيّ الحقيقيّ إلا بإرسال مركبةٍ فضائيةٍ لاستكشاف النظام الشمسيّ ولأغراضٍ خاصةٍ بعلم الأحياء الفلكية.

بالإضافة إلى ذلك، يعطي علم الأحياء الفلكية منظوراً تطورياً هاماً للشؤون الإنسانية، فهو يتطلب إحساساً بالتاريخ العميق أو الكبير. ولذلك، فإن كثيراً من مناهج علم الأحياء الفلكية في المرحلة الجامعية تبدأ بلمحةٍ عامةٍ عن تاريخ الكون، وهذا يبدأ بالانفجار العظيم وينتقل تباعاً مروراً بأصل العناصر الكيميائية، تطور النجوم والمجرات والأنظمة الكوكبية، أصل الحياة، والتاريخ التطوريّ من الخلايا الأولى وصولاً إلى الكائنات المعقدة مثلنا. إن تاريخاً عميقاً كهذا يساعدنا على تحديد موقع الشؤون الإنسانية في الوقت المتسع، وبالتالي يُكمل المنظور الكونيّ الذي يقدمه لنا استكشاف الفضاء.

الانعكاسات السياسية

هناك قولٌ مأثورٌ ومعروف يُنسب غالباً إلى عالم الطبيعة البروسيّ أليكسندر فون همبولدت يقول: “إن أخطر تصورٍ للعالَم هو ذلك التصور الذي يملكه من لم ينظروا إلى العالم”. ومن المحتمل أن همبولدت كان يفكر في توسيع المدارك المحتمل الذي يسببه السفر الدوليّ، إلا أن الإلمام بالمنظورات الكونية والتطورية التي يوفرها علم الأحياء الفلكية والمُعززة بمشاهدة كوكب الأرض من الفضاء يمكن بالتأكيد أن يعمل أيضاً على توسيع العقول بطريقةٍ تجعل العالم أقل خطورةً وتفتتاً.

أعتقد أن هناك انعكاساً سياسياً هاماً متأصلاً في هذا المنظور؛ فكنوعٍ ذكيٍ تقنياً يُسيطر حالياً على الكوكب المسكون الوحيد المعروف في الكون، تتحمل البشرية مسؤولية تطوير مؤسساتٍ دوليةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ لإدارة الموقف الذي نجد أنفسنا فيه.

لاحظ إتش جي ويلز في ختام كتابه العريض “موجز التاريخ” في عام 1925مـ “أن التاريخ البشريّ يتحول أكثر فأكثر إلى كونه سباقاً بين التعليم والكوارث”، ويبدو أن هذه الملاحظة مرتبطةٌ خصوصاً بالوضع الجيوسياسي اليوم، حيث تبدو القرارات غير المنطقية التي تتخذها الحكومات (بل شعوبٍ بأكملها) أنها ستقود كوكبنا واقعاً إلى الكارثة وأنها تنم عن جهلٍ بالمنظورات الأوسع.

المصدر: (theconversation)

إتش جي ويلز (HG Wells)
أليكسندر فون همبولدت (Alexander von Humboldt)
أدلاي ستيفنسون (Adlai Stevenson)
إيان كراوفورد (Ian Crawford)

Comments are closed.