السعودي العلمي في منتدى أسبار الدولي – اليوم الثالث

كتابة: رنيم دحلي.

كان اليومين الأولين من منتدى أسبار الدولي حافلين بالمعارف والأفكار النيرة، حيث وجدنا فيهما تجسيداً واقعياً لرغبة المملكة الواضحة في الانتقال للاقتصاد المعرفي بعيداً عن إدمان النفط وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية، وجاءت فعاليات اليوم الثالث استمراراً لهذا التوجه واستكمالاً لمسيرة دعم الابتكار في المملكة العربية السعودية، فافتتح المنتدى يومه الأخير بجلسةٍ تحت عنوان “الابتكار المؤسسي”، وترأسها وزير الثقافة والإعلام السابق معالي الدكتور عبد العزيز الخضيري وبدأ الحديث مدير جامعة الطائف معالي الدكتور حسام زمان، فأشار إلى أن المدارس حول العالم تواجه أزمةً وليس في السعودية فقط، ويمكن تشبيه ما يحدث الآن بأن التعليم كالشجرة التي يُعلق عليها الكثير من الهدايا بدون وجود أيّ ترابطٍ بينها. ومن ثم تحدثت عضوة مجلس الشورى الأستاذة فردوس الصالح عن أبرز أهداف رؤية ٢٠٣٠، وهو زيادة كفاءة استيعاب القطاع الخاص للقوى العاملة السعودية، وقالت بأن دور مؤسسات التعليم يكمن في تهيئة البرامج المناسبة لدعمهم ومساندتهم وفتح المجال لإبداعهم، وذكرت أن على البرامج الابداعية يجب أن تبدأ منذ مرحلة الحضانة وترافق الطالب أثناء التعليم المدرسي، الجامعي، المهني، والصناعي.

قام بعدها الرئيس التنفيذي لشركة تطوير الخدمات التعليمية الدكتور محمد الزغيبي بعرض أهم معالم النظام الجديد للجامعات ومن ضمنها: الاستقلالية المالية والإدارية، الإدارة الذاتية عبر مجالس أمناء، وحق الجامعات في الاستثمار المباشر في أصولها ومنتجاتها، وأضاف بأن من الممكن أن تواجه الجامعات تحدياتٍ جمةٍ في السنوات الأولى، ولكن ستكون هناك فرصٌ عدةٌ مع مرور الوقت، مثل فرصة تطوير هويةٍ مميزةٍ لكلّ جامعةٍ، توزيع وإدارة الموارد وفق أولويات الجامعة الاستراتيجية، ودعم أساليب جديدةٍ في البحث العلمي والابتكار غير التقليدية. وركزت الأستاذة ديمة اليحيي في حديثها على المحاور الثلاث لرؤية ٢٠٣٠، وشددت على أن تقبل التقنية واعتناقها هما السبيل الوحيد لتحقيق التحول الرقمي في المملكة. وأضافت قائلةً: “نحن نطمح للوصول إلى وطنٍ رقميٍ حيويٍ بترابطٍ بين القطاع العام والخاص ويبرز فيه دور رواد الأعمال في تحويل الأفكار إلى منتجاتٍ.

انطلقت عند هذه النقطة الجلسة الثانية بعنوان “المجتمعات والابتكار”، وأدارتها الرئيسة التنفيذية لمجموعة المستشارين الخارجيين الرئيسيين الدكتورة نوف الغامدي، وافتتح النقاش فيها نائب محافظ الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المهندس سامي الحصين، فأعطى توصياته بما يُمكن فعله لدعم المؤسسات الصغيرة والناشئة كالتدريب وإعطاء الفرص، وذكر أهمية تعليم الطلاب مهارات القرن الواحد والعشرين كمهارات التفكير المنطقي، تحليل البينات، العمل الجماعي، والتعلم المستمر، وقال أن لنشر ثقافة الابتكار والإبداع التي بُنيت عليها الكثير من الحضارات دوراً مفصلياً في تحقيق أهداف المملكة، وقال أن أحد أهداف منشئات هو جمع العقول المبدعة لتبادل الأفكار من خلال بناء منصاتٍ مختلفةٍ.

بعدها، تحدثت المؤسسة والرئيسة التنفيذية  لـ “مؤسسة تسامي لريادة الأعمال الاجتماعية” الأستاذة لجين العبيد عن الابتكار في قطاع ريادة الاعمال الاجتماعية، وركزت في حديثها على آن الابتكار فعلٌ وليس صفةً، وأنه يحدث بشكلٍ مجهولٍ وغير معلوم النتائج، وأننا نكون بحاجةٍ إلى زعزعة الأفكار وتوجيهها في كثيرٍ من الأحيان، كما عددت بعض العناصر الأساسية للابتكار وهي: الأسلوب التجريبي، الأشخاص المناسبون، الكثير من المجازفات الصغيرة، والكثير من المراهنات الصغيرة، كما عددت بعض التحديات التي تواجه رواد الأعمال الاجتماعيين، ومنها التحديات الناتجة من الأنظمة الحكومية، الأعراف المجتمعية، والتحديات الشخصية.

تقدم المدير التنفيذي لبرنامج الماجستير في إدارة الأعمال في كلية إنسياد السيد أناند فينقيرليكار لإلقاء محاضرةٍ تحت عنوان “انترنت الأشياء”، فاستعرض أثر الثورات الصناعية الثلاثة على الدول الغربية والأوروبية على وجهٍ أخص، وأشار إلى صعوبة مواكبة الثورة الصناعية الرابعة في الدول الأوروبية ذات القطاعات المتطورة كالطب، التعليم، والصناعة بحكم صعوبة تغيير أنظمتها العريقة، في حين أن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة لأن تأخذ صفحةً بيضاء وتكتب نموذجاً ذو أثرٍ على العالم والإنسانية بتبني الثورة الصناعية الرابعة مبكراً، بالضبط كما فعلت الدول الأوربية في الثورة الصناعية الأولى.

الجلسة الثالثة لليوم الأخير أدارها عضو مجلس الشورى الدكتور فايز الشهري بعنوان “الابتكار والتعليم”، فبدأ الجلسة عميد كلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال معالي الدكتور نبيل كوشك بإيضاح الحاجة إلى مُمكناتٍ ومحفزاتٍ تساعد في تحديث الأنظمة التي توجه الابتكارات في الجامعات لمنتجاتٍ تجاريةٍ ناجحةٍ، وأشار إلى أن هنالك فجوةٌ في برامج التمويل للابتكارات خاصةً في مراحله الأولى كتصميم النموذج الأولي، ولذلك فهناك حاجةٌ لأن يكون هناك تمويلٌ من الجامعات والقطاعات الحكومية والقطاعات غير الربحية لتعدي هذه المرحلة. وأضاف معالي الدكتور نبيل إلى أن من المهم أن يتمكن ذوي الابتكارات من الوصول إلى مرشدين فاعلين، ومن المهم أن يكون المرشد للمشروع الابتكاري من السوق وليس الجامعة، وذلك لصياغة نموذج العمل وإيصاله الى السوق. وشارك في هذه الجلسة المدير التنفيذي للمحتوى في شركة تطوير للخدمات التعليمية الدكتور ناصر العويشق، والذي ركز على أبرز المتغيرات ذات الأثر الأكبر في قطاع التعليم، كالعمل التعاوني للتعليم وتعظيم التغذية الراجعة للمعلمين، ومن ثم انتقل بحديثه إلى ما يحتاجه المعلم المبدع من تعزيز الثقة به وإعطائه المرونة اللازمة، إضافةً إلى عوامل أخرى عدة.

تقدمت حينها نائبة رئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية الدكتورة نجاح العشري للمنصة، فقالت أن الجامعات الرائدة عالمياً لا تأخذ الجانب الأكاديمي فقط عند قبول الطلبة، بل تقيم أيضاً قدرتهم على الإبداع وما يمكن أن يقدموه لمجتمعاتهم مستقبلاً، وأشارت إلى أن الثورة الصناعية الرابعة قد تؤدي إلى فجوة معرفيةٍ يصبح فيها جميع من لا يستطيع الوصول للتقنية غير قادرٍ على الوصول للمعرفة. وقام المدير التنفيذي ونائب الرئيس للأعمال التجارية في شركة هواوي لمنطقة الشرق الأوسط الأستاذ علاء الشيمي بالتركيز في حديثه على اللبنات الثلاث الاساسية لبناء المستقبل وهي: أن يكون لكل الجمادات حواس تستقبل بها المعلومات وتبعثها، أن تكون جميع الجمادات متصلةً ببعضها من خلال شبكةٍ تدعم ذلك كشبكة الجيل الخامس في المستقبل، وأن تكون جميع الجمادات ذكيةً تحفظ معلوماتها على الحوسبة السحابية.

الجلسة الرابعة كانت بعنوان “رأس المال الابتكاري”، وفام بإدارة الحوار وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السعودي معالي الدكتور محمد أبو ساق، وافتتح الجلسة المهندس نبيل الحقباني الذي تحدث عن منهجية مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والابداع (موهبة) ودورها في دعم الموهوبين ومن ثم رعايتهم، وأشار إلى أن المملكة ليست بحاجةٍ لأي جهاتٍ جديدةٍ لدعم الابتكار، بل التعاون والتكامل بين الجهات الموجودة بالفعل. وتلاه الأستاذ المحاضر في التطوير الحضري ومدير برنامج زملاء همفري لتطوير القيادات في معهد ماساتشوستس للتقنية البروفسور بيش سانيا بالحديث في هذه الجلسة، وكان جل حديثه عن كيفية تطوير برنامجٍ متخصصٍ في تقييم الابتكارات بناءً على معايير طُورها المعهد بالتعاون مع ٦ أقسامٍ مختلفةٍ في الجامعة.

أخيراً، اختُتِمت أنشطة اليوم الرابع بتوزيع جوائز مسابقة الابتكار التي رعتها هيئة المنشئات الصغيرة والمتوسطة ضمن جهود مبادرة السعودية تبتكر، وكان من المفاجئات أن الجهة المحكمة للمسابقة أعلنت عن إعطاء جوائز تقديريةٍ لبعض المشاركين لتميزهم عن بقية المتسابقين، حيث أنهم شركاتٌ متقدمةٌ قائمةٌ بالفعل وبالتالي فإنه سيكون من غير العادل مقارنتهم ببقية المشاركين الذين ما زالوا في مراحلهم الأولى، ولقد حصلت على هذه الجوائز:

  • شركة سديم:
    شركةٌ ناشئةٌ متخصصةٌ في مراقبة حركة السيول والمرور داخل المدن، وذلك بهدف تقليل من الخسائر الناتجة من السيول والفيضانات داخل المدن، وتستخدم الشركة تقنيةً طورها المؤسسون في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ويمكن توزيعها حول المدن بشكلٍ عمليٍ وفائق الدقة يُمكنهم جمع المعلومات اللازمة.

 

  • شركة طلاء:
    شركة ناشئةٌ تنتج طلاءً جديداً يُستخدم لحماية الأنابيب المُستخدمة في نقل الغاز، المياه، والبترول، وهي مُستخلصةٌ من إطارات السيارات التالفة والتي تشكل مشكلة بيئيةً كبيرةً جداً، حيث يُتخلص منها حالياً بالحرق. ولقد نشأت الشركة من رحم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، واحتضنت لاحقاً في مركز ريادة الأعمال في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.
  • شركة نوماد لحلول الطاقة الشمسية:
    شركةٌ ناشئةٌ تنتج جهازاً ميكانيكياً لتنظيف الغبار من الألواح الشمسية دون الحاجة للماء، وطُورت في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بالخصوص لتلائم البيئة السعودية وتحل مشكلة تراكم التراب على الألواح الشمسية خلال فترة عملها، وهذه التقنية تسهم في توفير أصحاب المشاريع الملايين من الريالات وكمياتٍ كبيرةٍ من المياه، وتحمي العمال من أي خطرٍ قد يتعرضون له.

 

أما الفائزون بجائزة ابتكر والذين أثبتوا تميز مشاريعهم واختراعاتهم للجنة التحكيم فهم:

  • المركز الأول: شركة المها:
    شركة تقنيةٌ ناشئةٌ تقدم أنظمةً لمراقبة البيانات الحيوية للماشية، والتي يمكن استخدامها لزيادة الإنتاج الكفاءة في المزارع، حيث يمكن اكتشاف الأمراض في مرحلةٍ مبكرةٍ لتقليل تكلفة علاجها، زيادة إنتاج الحليب، واختيار الوقت المناسب لتخصيب الابقار. ولقد نشأت هذه الشركة من رحم جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.
  • المركز الثاني: قياس نسبة الكولسترول في الدم:
    يستخدم هذا الجهاز حساساً حيوياً يحتوي على جزيئاتٍ نانويةٍ تسمح بقياس مستوى الكولسترول في الدم في المنزل، ولقد حصل الجهاز على براءة اختراعٍ من مدينة الملك عبد العزيز. ولقد نشأ هذا الاختراع من رحم جامعة المجمعة.
  • المركز الثالث: ابتكار العوامة الكهرومغناطيسية:
    تختلف هذه العوامة عن العوامة التقليدية بأنها تمنع هدر المياه وتقلل استخدام الطاقة، وتحافظ على المضخة بجانب فوائد أخرى، ويمكن تطويرها واستخدامها في عدة مجالاتٍ مع جميع السوائل. ولقد تلقى هذا الاختراع دعماً من مؤسسة موهبة.

في الجلسة الختامية، تلى منظمو المنتدى المسودة الأولية للبيان الختامي، وقالوا بأنهم سيقيمون عدداً من ورش العمل قريباً لمتابعة توصيات المنتدى وللحرص على تطبيقها على أرض الواقع، لكيلا يكون هذا المنتدى احتفالياً فقط. ولقد أعلن ممثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية عن احتضان جميع المشاركين في المسابقة في مركز الابتكار للصناعة 4، والذي يوفر فرص التدريب، التصنيع، والاستشارات لمنسوبيه. وبهذا انتهت ثلاثة أيامٍ من الأفكار النيرة والتخطيط عبر استشراق المستقبل الجاد، وكلنا آملٌ بأن يكون هذا المنتدى خطوةً داعمةً لتوجه المملكة نحو اقتصاد معرفيٍ.

شاركنا تعليقك ..