فيزياء جسيمات الإنسان

كتابة: علي سوندرمير.
ترجمة: غالية الجبرتي وسعاد السقاف.
مراجعة: عبدالحميد شكري.




الحقيقة أننا لا نتكون من جسيماتٍ أوليةٍ فحسب، ولكننا أيضاً نقوم بإنتاجها وهي تصطدم بنا باستمرار خلال اليوم.

قبل ١٤ مليار عامٍ، حين تمددت تلك النقطة الكثيفة الساخنة بسرعة والتي تمثل كوننا، كان لا بد لكلٍ من المادة والمادة المضادة التي تشكّلت أن تتلاشى ولا تترك لنا شيئاً سوى الطاقة. إلا أن كميةً صغيرةً من المادة تمكنت من النجاة.

انتهى بنا الأمر إلى عالمٍ مليءٍ بالجسيمات، وليست أي جسيماتٍ فحسب، وإنما جسيماتٍ ذات كتلةٍ وشحنةٍ ملائمتين بما فيه الكفاية لتسمح بالحياة البشرية. وهنا بعض الحقائق عن فيزياء جسيماتك والتي ستجعل الكتروناتك تقفز.

الجسيمات التي نتكون منها

يتكون حوالي ٩٩ في المائة من جسمك من ذرات الهيدرجين، الكربون، النيتروجين، والأكسجين، وربما يحتوي أيضاً على كمياتٍ ضئيلةٍ جداً من العناصر الأخرى الضرورية للحياة.

بينما تقوم أغلب خلايا جسمك بالتجدد كل ٧-١٥ عاماً، نجد أن العديد من الجسيمات التي تُكوّن هذه الخلايا كانت موجودةً منذ ملايين الألفيات. فذرات الهيدروجين الموجودة بداخلك نتجت في الانفجار العظيم، أما ذرات الكربون والنيتروجين والأكسجين فقد تكونت في النجوم المحترقة، بينما تكونت العناصر الثقيلة جداً بداخلك في النجوم المنفجرة.

يخضع حجم الذرة لمتوسط موقع الكتروناتها. فالأنوية تعد أصغر من الذرات التي تحويها بحوالي 100 ألف مرةٍ، فإذا كانت النواة بحجم حبة الفول السوداني، فإن الذرة ستكون بحجم ملعب البيسبول تقريباً. وإذا تخلصنا من الفراغ الذي بداخل ذراتنا، سيصبح كل فردٍ منا بحجم جسيمٍ من غبار الرصاص، أما البشرية جمعاء فستصبح بحجم مكعب السكر.

ربما يتبادر إلى ذهنك، أن هذه الجسيمات المتباعدة لا تشكل سوى جزءاً ضئيلاً من كتلتك. حيث تتكون البروتونات والنيترونات داخل نواة الذرة من ثلاثة كواركات. كما أن كتلة الكواركات تمثل فقط نسبةً بسيطةً من كتلة البروتون والنيوترون، والتي تأتي من تفاعلها مع مجال هيغز. أما حاملات القوة النووية الشديدة والتي تبقي هذه الكواركات مرتبطةً ببعضها البعض وهي الغلونات فهي عديمة الكتلة تماماً.

إذا كانت كتلتك لا تأتي من كتل هذه الجسيمات، فمن أين تأتي؟ الجواب هو أنها تأتي من الطاقة. حيث يعتقد العلماء أن كتلة جسمك الكلية تأتي تقريباً من الطاقة الحركية للكواركات وطاقة ربط الغلونات.

الجسيمات التي ننتجها

يعد جسمك منجماً صغيراً للجسيمات المشعة. فأنت تتعرض سنوياً لجرعةٍ تقدّر بحوالي 40 مللي ريم(*) نتيجة النشاط الإشعاعي الطبيعي الذي ينشأ داخل جسمك. وهذه الجرعة تعادل قيامك بأربعة صور للصدر بالأشعة السينية. ويمكن أن يزيد مستوى الجرعة الاشعاعية بمقدار واحد إلى اثنين مللي ريم لكل ثماني ساعاتٍ تقضيها نائماً بجوار الشخص الذي تحبه والمشع بنحو مماثلٍ لك.

يرجع السبب في إطلاقك للإشعاع إلى العديد من الغذاء الذي تتناوله، المشروبات التي تشربها، وحتى الهواء الذي تتنفسه يحتوي على عناصر مشعةٍ مثل البوتاسيوم-40 والكربون-14. حيث تندمج هذه العناصر داخل جزيئاتك لينتهي بها المطاف بالاضمحلال منتجةً إشعاعاً داخل جسمك.

عندما يضمحل البوتاسيوم-40 يُنتج بوزيتروناً، وهو الجسيم المضاد التوأم للالكترون، أي أنك تحتوي على كميةٍ صغيرةٍ من المادة المضادة داخل جسمك. إذ يُنتج الإنسان العادي أكثر من 4000 بوزيترونٍ يومياً، أي ما يعادل 180 بوزيتروناً لكل ساعةٍ. لكنها لا تلبث أن تصطدم بالكتروناتك لتفنى مُخلّفةً إشعاعاً على شكل أشعة جاما.

الجسيمات التي نتلقاها

إن النشاط الإشعاعي المولود داخل جسمك يُمثل نسبةً صغيرةً من الإشعاع الذي نتعرض له بشكلٍ طبيعيٍّ (وغير مؤذٍ) يومياً. فالشخص الأمريكي العادي يتلقى جرعةً إشعاعيةً تقدر بحوالي 620 مللي ريم سنوياً. حيث إن الطعام الذي نتناوله والمنازل التي نسكنها والصخور والتربة التي نسير عليها كلها تعرضنا لمستوياتٍ منخفضةٍ من الإشعاع. فتناول الجوز البرازيلي فقط أو الذهاب إلى طبيب الأسنان يمكن أن يرفع مستوى التعرض للإشعاع ببضعة وحداتٍ من المللي الريم. أما التدخين فيرفع الجرعة الإشعاعية إلى 16,000 مللي ريم.

تضرب الأشعة الكونية وهي الأشعة ذات الطاقات العالية القادمة من الفضاء الخارجي الغلاف الجوي للأرض باستمرار. وهناك تصطدم بالأنوية الأخرى مُنتجةً الميزونات، حيث أن الكثير منها يضمحل إلى جسيماتٍ أخرى مثل الميونات والنيوترينات. كل هذه الجسيمات تُمطر سطح الأرض وتخترق أجسامنا بمعدل 10 جسيماتٍ كل ثانيةٍ، مضيفةً بذلك حوالي 27 مللي ريم إلى جرعتك الإشعاعية السنوية. كما يمكن لهذه الجسيمات الكونية أن تسبب خللاً في جيناتنا الوراثية، مسببةً طفراتٍ خفيةً، كما يمكن أن تكون عاملاً مساهماً في التطور.

بالإضافة إلى الفوتونات التي تمطرنا بها الشمس والتي تُملي علينا الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا، تطلق الشمس أيضاً هجمة من الجسيمات تدعى بالنيوترينات. فالنيوترينات زائرٌ مستمرٌ لجسمك تندفع بمعدل 100 تريليون نيوترينو كل ثانيةٍ. وبالإضافة إلى الشمس، تتدفق النيوترينات من مصادر أخرى، بما فيها التفاعلات النووية التي تحدث في النجوم الأخرى وعلى كوكبنا.

الكثير من النيوترينات كانت موجودةً منذ الثواني القليلة الأولى للكون، وحتى قبل ذراتك الخاصة. إلا أن تفاعل هذه الجسيمات ضعيفٌ جداً لدرجة أنها تنفذ من خلالك دون أن تترك أثراً على زيارتها.




كما أنك على الأرجح تواجه وابلاً مستمراً من جسيمات المادة المظلمة. ولأن المادة المظلمة لا تصدر أو تعكس أو تمتص الضوء، فإنه يصعب رصدها. ولكن يعتقد العلماء أنها تُشكل حتى 80 في المائة من المادة في الكون.

وبالنظر إلى كثافة المادة المظلمة في الكون، وجد العلماء أنه ربما هناك مئات الآلاف من هذه الجسيمات تخترق جسمك كل ثانيةٍ، وتصطدم بذراتك مرة في الدقيقة. إلا أن المادة المظلمة لا تتفاعل بقوةٍ مع المواد المكوّنة لجسمك، لذا فإنه من غير المحتمل أن تترك تأثيراً ملحوظاً عليك.

في المرة القادمة التي تتسائل فيها عن كيفية تطبيق فيزياء الجسمات في الحياة، فقط ألقِ نظرةً داخلك.

المصدر: (symmetrymagazine)

(*) الريم أو رونتجن المكافئة للإنسان ((Rem) Röntgen equivalent man) هي وحدة قياس التأثير البيولوجي (الحيوي) للإشعاع الممتص.
مجال هيغز (Higgs field)
مللي ريم (millirem)
بوزيترون (positron)
أشعة جاما (gamma rays)
الميزونات (mesons)
الميونات (muons)
النيوترينات (neutrinos)
الفوتونات (photons)
الكواركات (quarks)
الغلونات (Gluons)

 

Comments are closed.