حقيقة ميكانيكا الكم

كتابة: لينا الأصفر.
مراجعة: عبدالحميد شكري.

تلقى النظرية الكمومية اهتماماً واسعاً من الكثيرين من غير المختصين بالفيزياء بسبب سمعتها الكبيرة بأنها صعبة الفهم وشديدة الغرابة. كما يقرأ الكثير عنها من مصادر متفرقةٍ ليزيد ذلك من حيرتهم تجاهها عادةً. ولكن ميكانيكا الكم تبدو حقيقة غير مألوفةٍ لنا وصعبة الفهم لأنها مبنيةً على أسسٍ رياضيةٍ عميقةٍ لا غنى عنها. فميكانيك الكم لا تعتمد على خبرتنا في مراقبة الطبيعة، فنحن كائناتٌ لا تستشعر الأثار الكمومية مباشرةً، بل النتائج الإحصائية لها.

تلاحظون هنا أننا لم نستخدم مصطلح ” كائناتٍ”: كلاسيكيةً، لأنه لا يوجد أي شيءٍ ” كلاسيكيٍّ”.  كل الأنظمة الفيزيائية هي أنظمةٌ كموميةٌ فقط ولا وجود لأنظمةٍ كلاسيكيةٍ، أياً كانت ما تعنيه هذه الكلمة. لكن الفرق بيننا أو أي نظامٍ يُسمى بالكلاسيكي وبين الإلكترونات وغيرها من الأنظمة التي تُدرّس في ميكانيكا الكم هو حجم اﻷثر الكموميّ. فلأننا نتكون من عددٍ مهولٍ من النظم الكمومية الصغيرة سنستشعر الأثار الإحصائية لميكانيكا الكم، والتي يطلق عليها الميكانيكا الكلاسيكية.

من هنا تنبثق معضلةٌ كبيرةٌ حول عملية التكميم، والتي يقصد بها تحويل نظامٍ كلاسيكيٍ إلى أخر كموميٍ بشكلٍ أو بآخر. فإن كانت النظم الكلاسيكية لا وجود لها حقيقةً، فكيف نتنقل منها إلى نظمٍ كموميةٍ؟ بالإضافة لذلك، فإن النظم الكمومية أوسع رياضياً من تلك الكلاسيكية، وتحتوي على ” معلوماتٍ” أكثر، بالتالي من أين سنحصل على المعلومات الناقصة خلال عملية التكميم؟

قبل أن نناقش ميكانيكا الكم يجب علينا البدء بتعريف النظم الكلاسيكية لأسبابٍ واضحةٍ، ولكوننا ألفنا الميكانيكا الكلاسيكية أكثر.

المتغير الديناميكيّ في النظام الكلاسيكي هو كميةٌ مقاسةٌ تأخذ قيمةً ما عند إجراء عملية القياس، وهذه القيم هي مجموعةٌ جزئيةٌ من الأعداد الحقيقية، وتأخذ قيماً مستمرةً. أيّ إن الكميات الفيزيائية المألوفة كالموضع، كمية الحركة، الطاقة، السرعة، المسافة… إلخ تأخذ قيماً مستمرةً (غير متقطعةٍ)، وتكون في فترةٍ ما من الأعداد الحقيقة. بالتالي إن عبرنا عن المتغيرات الديناميكية في الميكانيكا الكلاسيكية، ستكون عبارةً عن توابع مستمرةً على الأقل.

لكن هذا لا يمكن أن ينطبق على ذرة الهيدروجين، أو حتى أي ذرةٍ أخرى. لأنه إن أخذت قيم الطاقة “طيفًا” مستمراً من القيم المقاسة، فإن استقرار الذرة أمرٌ مستحيلٌ بحسب نظرية اﻹلكتروديناميكا. وذلك لأن قوانين اﻹلكتروديناميكا الكلاسيكية تنص على أن أي شحنةٍ تحت تسارعٍ ستشع إشعاعاً كهرومغناطيسياً، وبالتالي ستفقد طاقةً حركيةً. وبهذا سيكون استقرار الإلكترونات المشحونة في مداراتها أمرٌ غير ممكنٍ وفقاً للفيزياء الكلاسيكية.

شكل1

شكل 1: بئر الطاقة الفعّال لجسيمين كلاسيكيين بينهما قوة
تجاذبٍ مركزيةٍ. قيم طيف الطاقة تأخذ قيماٌ مستمرةً.

بل وُجد تجريبياً أن قيم طيف الطاقة في ذرة الهيدروجين متقطعةً وليست مستمرةً، وهذا يتناقض تماماً مع الفيزياء الكلاسيكية. وفي الحقيقة، لا يوجد لدينا أي وسيلةٍ في الفيزياء الكلاسيكية للتعبير عن طيف طاقةٍ متقطعٍ، كما في مستويات الطاقة لذرة الهيدروجين، أو حتى خليطٍ بين طيفٍ مستمرٍ وآخر متقطعٍ كما في شرائط الطاقة في مادةٍ صلبةٍ.

شكل2

شكل 2: في ميكانيك الكم، تأخذ الطاقة قيماً متقطعة كما في مستويات الطاقة
لذرة الهيدروجين، أو مزيجاً من القيم المتقطعة والمستمرة كما في شرائط الطاقة.

تقودنا طبيعة الطيف هذه نحو إعادة التفكير في الوصف الكلاسيكيّ واستبداله بوصفٍ رياضيٍّ مختلفٍ تماماً، حيث وُجد أن استخدام “مؤثراتٍ” في ” فضاء هليبرت العقديّ” هو الحل الأمثل لوصف إلكترونات هذا النوع من الأطياف بدلًا من التوابع المستمرة. لا يهم للقارئ غير المختص تعريف المصطلحات السابقة، ولكن ما يهم وما يجب إدراكه هو الفرق الكبير بين وصف الميكانيكا الكلاسيكية ونظيرتها الكموميّة.

لا يتوقف الأمر فقط بطبيعة طيف الكميات الديناميكية المقاسة، ولكن وُجد أيضاً أن “القياس” في ميكانيكا الكم يغير من طبيعة النظام المقاس، هذا لا يعتمد على من أو ما يقيس ذلك النظام، بل هذه خاصية في بنية ميكانيكا الكم لا تعتمد على تفاصيل عملية القياس.

يظهر هذا جلياً في تجربة شتيرن-جيرلاخ الشهيرة:

شكل3

تتكون هذه التجربة من تمرير شعاعٍ من الإلكترونات ذات عزمٍ مغناطيسيٍ من جهاز شتيرن-جيرلاخ، والذي يفرز اﻹلكترونات حسب اتجاه العزم المغناطيسيّ للإلكترونات مع محورٍ ما، ولنقل أنه المحور السينيّ مثلًا. فوُجد أن الاتجاهات الممكنة للعزم المغناطيسيّ هي اتجاهين (إما للأعلى أو للأسفل مثلاً) وأن هذه قيمٌ متقطعةٌ للكمية المقاسة. ولكن ليس هذا فقط، بل وُجد أيضاً أن قياس توجه العزم المغناطيسيّ لمحورٍ بعد معرفة توجهها في محورٍ معينٍ سابقٍ سيؤدي لتغيير توجهها في المحور الأول. وهذا لا يمكن تفسيره سوى بالقول أن النظم الكمومية حقًا تتغير بفعل القياس!

لا يتوقف الأمر هنا فحسب، بل يمكن القول بأكثر من ذلك بفضل الطريقة التي نبنى فيها ميكانيكا الكم رياضياً. إذ يمكننا القول أن النظم الكمومية التي لم تخضع لقياسٍ (تفاعلٍ مع نظامٍ “كلاسيكيةٍ”) لا تحمل قيماً ديناميكيةً معرفةً. فلا معنى مثلاً للقول بأن اﻹلكترون الذي لم يقاس موضعه له موضعٌ معرفٌ، أو له مسارٌ محددٌ، والأمر سيان بالنسبة لأي كميةٍ أخرى. وهذا يعني أن الفيزياء الكلاسيكية، ليست فقط مهمةً كنتيجةٍ إحصائيةٍ لميكانيكا الكم، بل أيضاً مهمةً في البنية لها. إذ نحتاج للفيزياء الكلاسيكية، لتعريف المتغيرات الديناميكية كالموضع، كمية الحركة، كمية الحركة الزاوية، العزم المغناطيسيّ وغيرها. وتدعم هذه الحقيقة الذين يعملون على التكميم، بدلاً من الانطلاق مباشرةً من نظامٍ كموميٍ.

الحقيقة الثالثة حول ميكانيكا الكم والتي يمكن القول أنها الأكثر “إزعاجاً” من ناحيةٍ فلسفيةٍ أساسيةٍ، هي أنه جُل ما نطيق التنبؤ به نظرياً وبالتالي تجريباً من نتائج القياس هي احتمالات ظهور قيمٍ معينةٍ من بين طيف القيم الممكنة لنتائج القياس. فعند التفكير مليّاً في الأمر، نرى أن هذه الحقيقة حول الطبيعة مزعجةً للغاية. فكيف يمكن أن تختلف نتائج القياس بناءً على “الحظ” أو الصدفة المحضة، والأسوأ من ذلك هو الأخذ بعين الاعتبار واقع أن النظم الكمومية تتغير مع القياس، ولا يمكننا معرفة كيفية تغير النظام الكمومي بشكلٍ حتميٍّ إلا بعد قياسها.

إن هذه الخاصية في النظم الكمومية هي ما أزعج أينشتاين كثيراً، فكيف يمكن للطبيعة ألا تكون حتميةً؟! دفع هذا العلماء للبحث عن تفسيرٍ لميكانيكا الكم، أشهرها تفسير كوبنهاجن، والذي في الحقيقة لا “يفسر” غياب الحتمية أكثر من كونه يتقبلها وحسب. وهناك تفسيراتٌ أخرى، كتفسير العوالم المتعددة الذي ينص أن كوننا عبارةٌ عن مجموعةٍ كبيرةٍ من النسخ التي تحتوي كلٌّ منها أحد احتمالات نتائج القياس، وعند إجراء القياس فإن النظام الكلاسيكي التي “يُجري” القياس سيكون في أحد نسخ الأكوان هذه. بالرغم من غرابة هذا التفسير إلا أنه ربما يكون صحيحاً، ولكن ليس لدينا حالياً ما يدعمه من تجارب.

أحد التفسيرات الأخرى حول غياب حتمية النظم الكمومية هي كون البنية الحقيقية للزمكان بنيةً عشوائيةً، وبالتالي فإن البنى الميكروية لابد أن تكون لا-حتميةً. فمثلاً ليكن لدينا متغيرٌ ديناميكيٌّ ω فإن هذا المتغير يعبر عنه بجزئين، الأول جزءٌ “حتميٌّ” واﻵخر عشوائيٌّ. وبالتالي فإن اللا-حتمية هي الأصل، والحتمية التي نراها في النظم “الكلاسيكية” ليست سوى نتيجةً إحصائيةً للأعداد الكبيرة.

 

 

فهرس المصطلحات:

 

نظام كلاسيكية/كمومية (Classical / Quantum System)
تكميم (Quantisation)
متغير ديناميكي (Dynamical variable)
عملية القياس  (Measurement)
مستمر (Continuous)
متقطع (Discrete)
تابع مستمر (Continuous function)
مؤثر  (Operator)
فضاء الطور (phase space)
فضاء هيلبرت العقدي (Complex Hilbert Space)
طيف (Spectrum)
سويات الطاقة (Energy levels)
شرائط الطاقة (Energy bands)
شتيرن-جيرلاخ (Stern Gerlach)
عزم مغناطيسي (Magnetic moment)
حتمية (Determinism)
تفسير كوبنهاجن (Copenhagen interpretation)
تفسير العوالم المتعددة (Many-Worlds interpretation)
التفسير العشوائي (Stochastic interpretation)

 

المراجع:

1- von Neumann, Mathematical Foundations of Quantum Mechanics (1932), Princeton University Press, 1955
2- Mackey, Mathematical Foundations of Quantum Mechanics, W. A. Benjamin, 1963 (paperback reprint by Dover 2004).
3- Edwards, The Mathematical Foundations of Quantum Mechanics, Synthese, 42 (1979),pp. 1–70.
4- Shankar, “Principles of Quantum Mechanics”, Springer, 1980.
5- Giachetta, L. Mangiarotti, G. Sardanashvily, “Geometric and Algebraic Topological Methods in Quantum Mechanics”, World Scientific, 2005.
6- Weaver, “Mathematical Quantization”, Chapman & Hall/CRC 2001.
7- Khavtain Namsrai (1985). Nonlocal Quantum Field Theory and Stochastic Quantum Mechanics. Springer. ISBN 90-277-2001-0.
8- Fredrich Schuller (2015)  Lecture series on quantum theory

Website Comments