هل ستكون الممارسة مستقبل التعليم؟

كتابة: إشوار بوري.
ترجمة: عبد الحميد شكري.

لقد تغيرت تجربة الجامعة، فلقد كان من الكافي أن يقضي الطلاب أربع سنواتٍ في العمل الشاق على الواجبات، المختبرات، والامتحانات للحصول على درجةٍ جامعيةٍ مفيدةٍ، والتي تشير إلى الكفاءة ويمكن استبدالها بوظيفةٍ جيدةٍ. كان أرباب العمل يقضون أسابيع أو شهوراً في تدريب خريجيهم المعينين حديثاً، وأحياناً في مجموعاتٍ، لتشكيل معرفتهم الواسعة بحيث يمكن تطبيقها على الاحتياجات المحددة للشركة أو الوكالة الحكومية.

أما اليوم وعلى النقيض من ذلك، يريد أرباب العمل خريجين جدد بدون أن يضطروا لتدريبهم. وهذا يعني أنه على الطلاب أن يتعلموا ويطبقوا معرفتهم في نفس الوقت داخل وخارج الفصل الدراسي، كل ذلك دون إضافة أشهرٍ أو سنواتٍ إضافيةٍ لدراستهم. وبعد الانتهاء من دراستهم، من المتوقع أن يكونوا على استعدادٍ للتنافس على الوظائف والقفز إلى الحياة العملية على الفور دون مزيدٍ من التدريب.

في ظل الحملة العالمية المستمرة للكفاءة والقدرة التنافسية، يُنظر الآن إلى التعليم والتدريب على أنهما مسؤولية قطاع ما بعد المرحلة الثانوية، حيث يواجه الطلاب مجموعةً أوسع من التوقعات المحصورة في لتعلم وصنع الموضوع المعني، بل لتتبنيه واستخدامه على الفور تقريباً.

التعلم بالتطبيق
إن فكرة التعلم بالتطبيق هذه تُعرف الآن باسم “التعلم التجريبيّ”، وعلى الرغم من أنها تتطلب الكثير من الجهد، إلا أنها أيضاً فعّالةٌ جداً وحيويةٌ لمهمة جميع المؤسسات المتقدمة للتعليم العالي، بما في ذلك كلية الهندسة بجامعة ماكماستر في هاميلتون التي أنا أعمل فيها كعميدٍ.

تعني طريقة التعلم هذه التخلي عن أصول التدريس القديم التي تستخدم الطباشير والشرح في الفصل، واستبدالها بالاستفسارات والتعلم القائم على المشاكل والمشروعات، وأحياناً باستخدام أدوات ما نسميه بمساحة الصناع، وهي ورشة عملٍ إبداعيةٍ مفتوحةٍ تشبه الأستوديو.

تدرك هذه الطرق أن المحاضرات حول الموضوعات المعقدة والتجريدية يصعب فهمها، وأن التعلم العمليّ والذهنيّ بواسطة الممارسة لا يُسهل فقط من امتصاص المواد المعقدة، بل يجعل تذكرها سهلاً أيضاً.

يمارس التعلم التجريبي خارج الصف بشكل نوادٍ، أنشطةٍ، ومسابقاتٍ من أجل المتعة، مثل المنافسة البيئية الدولية، تحويل السيارات الرياضية من استخدام البنزين إلى الطاقة الكهربائية، أو الهاكاثونات التي ترى الطلاب وهم يتنافسون على حل المشاكل التقنية والاجتماعية المعقدة. ولقد كان التعلم التجريبيّ هذا العام في جامعة ماكماستر كلاً من المنافسة والجائزة، حيث قام ستةٌ من الفائزين في مسابقة الأفكار الكبيرة خارج المنهج الدراسي بجولةٍ في مرافق وادي السليكون، حيث يأملون في يومٍ من الأيام العمل أو تعلم كيفية البدء في مشاريعهم الخاصة.

كما يعني التعلم التجريبي أيضاً إشراك الطلاب الجامعيين مباشرةً في الأبحاث عالية المستوى، والتي كانت ذات يومٍ محصورةً لطلاب الدراسات العليا وأساتذة الجامعات، مما يعرضهم للمنح الدراسية على أعلى مستوىً من بداية حياتهم الأكاديمية.

يُتعلم التعلم التجريبيّ في المجتمع عبر الخدمة، سواءٌ داخل أو خارج مجال الدراسة؛ كإعادة بناء المجتمعات المتضررة من الأعاصير على سبيل المثال، أو المساعدة في مطابخ الحساء الخيرية المحلية. فنحن نعلم الطلاب لكيلا يكونوا عمالاً يقودون الاقتصاد الحديث فحسب، ولكن ليكونوا أيضاً مواطنين ملتزمين.

يتضمن التعلم المدمج دخول الطلاب لمكان العمل الفعلي، للحصول على نكهة الحياة العملية في مجالاتهم، بما في ذلك إدارة الوقت، العمل بشكلٍ مستقلٍ، تعدد المهام، والتكيف مع ثقافةٍ خاصةٍ وتوقعات مكان عملٍ معينٍ، كجزءٍ من تعليمهم الرسميّ.

نريد من الطلاب أن يفهموا ويواجهوا التحديات الكبرى والمشاكل المزعجة التي يواجهها عالمنا، مثل التغير المناخيّ وإدمان المواد الأفيونية، والتي لا تقتصر على قضايا العلوم، التقنية، علم الاجتماع أو الاقتصاد، بل القضايا المعقدة التي تتطلب تفكيراً وتعاوناً واسع النطاق.

كندا بحاجةٍ للمبتكرين
نريد أن يكون طلابنا مبتكرين، فإذا كان للحياة في كندا أن تتحسن فنحن بحاجةٍ إلى قوةٍ عاملةٍ قادرةٍ على معالجة المشاكل العالمية بابتكارٍ ذو صلةٍ؛ أي من الناحية التقنية، الاجتماعية والاقتصادية، مع احترام جميع الثقافات والأجناس، لا سيما في سياق العلاقات التجارية الصعبة كاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية.

يدفع كل هذا التعلم الطلاب إلى التفكير والعمل وحياتهم المهنية في نصب أعينهم منذ بدء عامهم الدراسي الأول، فهل هذا أمرٌ مقبول؟ من المهم أن نتذكر أن المدرسة الثانوية تغيرت أيضاً، إذ يتجهز الطلاب بشكلٍ أفضل مما كانوا عليه قبل جيلٍ، إذ يكونون أكثر إدراكاً للمطالب الجديدة في عصرهم وإنجازاتهم حين يدخلون الجامعة.

تتوفر المزيد من المعلومات حول التوظيف وأرباب عملٍ معيّنين من خلال بواباتٍ مثل غلاس دور، مما يسمح للطلاب باتخاذ خياراتٍ أكثر استنارةً حول مكان توظيفهم التدريبي أو أرباب العمل الدائمين الذين سيستهدفونهم أو يرفضونهم، بناءً على السمعة والمناخ التنظيميّ.

لا يمكننا تغيير حقيقة أن العالم أصبح أكثر تنافسيةً الآن، وأنه يحتاج لجهدٍ أكثر مما اعتدنا عليه للنجاح. وما يمكننا القيام به هو التأكد من أن العمل الإضافيّ الذي ينطوي على إنشاء واستكمال تجربةٍ جامعيةٍ محققةٍ بالكامل سيكون ذا قيمةٍ بأكبر قدرٍ ممكن.

المصدر: (weforum)

إشوار بوري (Ishwar Puri)
جامعة ماكماستر في هاميلتون (McMaster University in Hamilton)
المنافسة البيئية الدولية (international EcoCAR competition)
الهاكاثونات (hackathons)
مسابقة الأفكار الكبيرة خارج المنهج الدراسي (extracurricular Big Ideas competition)
وادي السليكون (Silicon Valley)
اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)
غلاس دور (Glassdoor)

السعودي العلمي

السعودي العلمي

السعودي العلمي هي مؤسسة مختصة بإنتاج ونشر المحتوى العلمي بأشكاله المقروءة، المرئية، والمسموعة، وتسعى لنشر المعرفة العلمية ورفع مستويات الوعي العلمي بالعالم العربي.
السعودي العلمي

Comments are closed.