استكشاف الدماغ عبر محاكاته

ترجمة: ميسون الصقعوب

قال باحثون من جامعة كاوست أن مشروعاً لدفع حدود إمكانيات الحوسبة الفائقة عبر برامج عالية الأداء قد يؤدي إلى نظرةٍ جديدةٍ لكيفية عمل الدماغ.

إن الدماغ البشري مختلفٌ بشكلٍ تامٍ عن الحاسوب بالرغم من المقارنة الدائمة بينهما. وتشمل الاختلافات الرئيسية حجم استهلاك الدماغ اليومي للطاقة والذي يعادل معدل استهلاك مصباحٍ للضوء، بالإضافة إلى قدرة الدماغ على بناء نفسه. فهو قادرٌ على برمجة نفسه أثناء النمو، ثم إعادة برمجة نفسه وِفقاً لتجاربه اليومية.

تهدف الحوسبة المستلهمة من الدماغ أو “الشبيه بالأعصاب” إلى بناء أجهزةٍ تنافس الدماغ، عبر تحسين قدرتها على معالجة البيانات وجعلها أكثر فعاليةً في استخدام الطاقة.

إن المشروع الجديد عبارةً عن تعاون بين الباحثين في منشأة “مختبر التصوّر الأساسي”، والذي يحتوي على أحدث التقنيات المتوفرة لتحليل البيانات العلمية وتقديمها في كاوست، مع كلية العلوم الاتحادية في لوزان بسويسرا. ويُشار إلى أن الباحثون السويسريون جزءٌ من مشروع “الدماغ الأزرق”، وهو مشروعٌ بحثيٌ عالميٌ بميزانيةٍ ملياريةٍ يهدف إلى هندسة الدماغ بشكلٍ عكسي وصولاً إلى مستوى الجزيئات في حاسوبٍ فائق.

يهدف التعاون السعودي السويسري مبدئياً إلى إنشاء برنامجٍ للحوسبة الفائقة يُمكّن من استخدام الآلات كأداواتٍ تفاعلية علميةٍ، والتي تستطيع محاكاة وتصوّر وتحليل البيانات في وقتٍ واحدٍ. ويبين الباحث الرئيس في كاوست بيير ماجيستريتي: ” ستقوم حواسيب مقياس إكسا* بتوليد بياناتٍ بحجم بيتابايت* والتي ستكلف الملايين من الدولارات لنقلها فقط، ويُتوقع ظهور هذه الحواسيب قبل نهاية العقد.” وأضاف: “الحل هو بإنشاء حوسبةٍ فائقةٍ تفاعليةٍ، والتي تُمكن العلماء من استخراج البيانات من عمليات المحاكاة أثناء تشغيلها مثل الأدوات العلمية الأخرى.”

ستمكن الحوسبة الفائقة التفاعلية الباحثين من تصوّر مجموعات بياناتهم في نفس المكان، والتنقل بين البيانات والتفاعل مع عمليات المحاكاة في نفس وقت انتاجها بطرقٍ مختلفةٍ، أو ما يعرف بالقيادة الحاسوبية.

أوضح ماجيستريتي: “لا تتوفر هذه التقنية اليوم، وللوصول إليها نحتاج إلى نهجٍ جديدٍ لتبادل المعلومات والموارد.” وأضاف: “لقد قام مشروع الدماغ الأزرق في لوزان بتطوير خارطة طريقٍ للوصول إلى الحوسبة الفائقة التفاعلية بمقاس إكسا.”

أما كاوست وبقدراتها الحاسوبية تستطيع تقديم المكونات المادية المطلوبة، والتي تتضمن شبكاتٍ فائقة السرعة بين الحواسيب الفائقة التي تقوم بتشغيل المحاكاة والحواسيب الفائقة التي تقوم بتحليل وتصوّر المحاكاة في نفس وقت.

الهدف الثاني من هذا التعاون زيادة عمق فهمنا لما يُمكن الدماغ من القيام بالحوسبة بموثوقيةٍ وباستخدام الحد الأدنى من الطاقة. وسيتضمن هذا إنشاء نموذجٍ حاسوبيٍ مفصلٍ للتفاعل بين الخلايا العصبية، والأوعية الدموية في الدماغ، والخلايا الدبقية، والخلايا الغير عصبية، والتي تنظم تدفق الدم في الدماغ وامتصاص الطاقة لخلاياه.

بين ماجيستريتي بقوله: “نسعى إلى تحليل هذه العلاقات الحميمية باستخدام بيانات المجهر الإلكتروني المعالجة لتظهر واقعاً افتراضياً ثلاثي الأبعاد.”

وحدة الخلايا العصبية-الدبقية-الأوعية الدموية هي أساس توصيل الطاقة طِبقاً للاحتياج. ويشرح ماجيستريتي أن النموذج الحاسوبي سيساعد الباحثين في فهم أساسيات عمليات الدماغ المسؤولة عن الإشارات التي التقاطها الباحثون عبر تقنيات التصوير الوظيفي مثل فحص الرنين المغناطيسي الوظيفي وتصوير انبعاثات بيت.

القدرة على انشاء نماذج صحيحةً لوحدة الخلايا العصبية-الدبقية-الأوعية الدموية ستمكن الباحثين من إعادة انتاج بيانات تصوير الدماغ الوظيفية حاسوبياً، مما سيساعد الباحثين في فهم الخطأ الذي يحدث في بعض الاضطرابات العصبية النفسية.
يتم إجراء غالبية الأبحاث في كاوست. وقال ماجيستريتي: “نقوم بإعادة بناء صور المجهر الإلكتروني هنا في كاوست، كما نقوم بتطوير خوارزمياتٍ للتعرف على الخلايا في كل شريحةٍ من المجهر وتنقل هذه المعلومات إلى بيئية واقعٍ افتراضيٍ.” وأوضح أيضاً أن الباحثين في لوزان ساعدوا في تطوير بعض خوارزميات النماذج، مما سيساعد على دمج البيانات المجموعة مع مشروع الدماغ البشري العالمي.

المقال الأساسي (discovery.kaust)
*مقياس إكسا: أنظمة حوسبة قادرة على أداء بليون بليون عملية حسابية في الثانية.
بيتابايت: سعة تخزين تساوي مليون جيجابايت.
كلية العلوم الاتحادية في لوزان: École Polytechnique Fédérale de Lausanne (EPFL)
الدماغ الأزرق: The Blue Bain
بيير ماجيستريتي: Pierre Magistretti

Website Comments