دراسة التخطيط المدني لمدن البكتيريا – الجزء الثاني

كتابة: كاري أرنولد.
ترجمة: روان الرفاعي.
مراجعة: عمر الجهني.

هذا المقال هو تكملةٌ لجزء سابقٍ نُشر يوم الأربعاء، وبالإمكان الإطلاع على الجزء الأول هنا.

حتى أوائل التجارب على القوى الفيزيائية المؤثرة على الأغشية الحيوية النامية تحدت الأفكار المترسخة، إذ أظهرت رقاقة الموائع الدقيقة أن ملمس وشكل السطح الذي تلتصق به الميكروبات كانا أكثر أهميةً مما نظن، لأنهما يتحكمان بتوزيع المواد الغذائية والشكل النهائي للغشاء الحيوي الناتج. وبشكلٍ مماثلٍ، باستطاعة الماء المتدفق بسرعة إعاقة تكوين الغشاء الحيوي، وذلك لأن قوى القص الهيدرودينامي باستطاعتها أن تنتشل الخلايا غير المتماسكة. لكن الدراسات أشارت إلى حالاتٍ استثنائية، حيث أثبتت المهندسة الحيوية في جامعة واشنطن ويندي توماس في عام 2008مـ أن بعض سلالات البكتريا الإشريكية القولونية طورت أطرافاً شبيهةً بالأهداب تسمى بالخملات، والتي تقوم بالالتصاق بالأجسام وتتميز بقدرتها على الالتصاق أفضل في المياه سريعة الجريان بعكس التيارات الخاملة. وتصنع بعض أنواع البكتريا الأخرى نسيجاً خلوياً خارجياً مختلفاً يكسبها قوة التصاقٍ أكبر عند تعرضها لمستوياتٍ عالية من قوى القص الهيدرودينامي، وبهذا تصبح الصورة أكثر تعقيداً مع إدراك الباحثون لأهمية المزيد من طبقات المتغيرات الفيزيائية وردود الأفعال الحيوية.

لكن هذا التعقيد يبدو أساسياً لفهم سلوك الكثير من البكتيريا في العالم الواقعي، ومنها البكتيريا الزائفة الزنجارية التي قد تسبب عدوى تهدد حياة الأفراد الذين يعانون من ضعف المناعة، ويمكنها أن تشكل أغشيةً حيويةً رقيقةً مرنة على الأجهزة الطبية كأجهزة التنفس الاصطناعي والقسطرة، وتختلف سلالات الزائفة الزنجارية في نوع جزيئات النسيج خارج الخلوي الذي تصنعه كالبكتريا القولونية، إذا كانت تصنعه من الأساس. وفي يناير عام 2017مـ، أثبت كل من باسلر ودريشير وزملاؤهما أن سلالات البكتيريا التي تنتج النسيج خارج الخلوي تفوز دائماً على أبناء عمومتها غير المنتجين في البيئات البسيطة.

صنع العلماء بعد ذلك بيئةً أكثر تعقيداً باستبدال الهياكل المستقيمة بهياكل منحنيةً أو متفرعةً، والنتيجة أن هذه الشبكة المتعرجة أحدثت مشاكل ازدحامٍ مروريٍ، وهي معاناةٌ شائعةٌ في كلّ المناطق النامية، حيث اكتشف الباحثون في البداية بأن سلالة الزائفة الزنجارية التي تشكل النسيج الخارجي تغلبت على السلالات التي لا تشكله، وذلك لقدرتها على الالتصاق بالسطح رغم استمرار تدفق الماء. ولكن المشكلات ظهرت بعد ذلك لأن الغشاء الحيوي الناتج والمكوّن من البكتيريا المصنعة للنسيج أصبح ضخماً للغاية، إلى درجة أنه قطع تياره الخاص من المياه والمواد المغذية، مكوناً وسطاً مثالياً لا يتدفق الماء من خلاله وتستطيع فيه الخلايا غير المنتجة للنسيج أن تنمو دون منافسة من جاراتها المنتجة للنسيج، ومن ثم قام جريان الماء والتشكيل الهندسي الدقيق للأسطح الخارجية بالسماح لمختلف سلالات الزائفة الزنجارية بأن تسيطر على الغشاء الحيوي الناتج.

كاري ناديل هو عالِمٌ رفيعٌ في مختبر دريشر والمؤلف الأول للدراسة الجديدة التي تصف العمل والمنشورة في موقع إي لايف، ويقول: “تمتلك مختلف السلالات والأنواع البكتيرية أنواعاً مختلفةً من التفاعلات في الغشاء الحيوي، بشكلٍ مشابهٍ لاختلاف المشاعر التي تنتابك في كل حيٍّ من أحياء المدينة نفسها”. وعندما يتعلق الامر بنمو الأغشية الحيوية فالعملية لا تميل دوماً الى السرعة، إذ القت دراسة كويت التي نشرتها دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الضوء على الكيفية التي يؤدي بها النمو الأكثر اعتدالاً وهدوءاً إلى نجاحٍ أكبر على المدى البعيد في البيئات المعقدة، ولقد دعمت النماذج الرياضية التي ابتكرتها كويت تلك الفرضية، وعملت كويت على صنع رقاقة الموائع الدقيقة لاستكشاف ذلك أكثر، وقامت بمحاكاة البيئة الترابية للعديد من الأغشية الحيوية، ومن ثم قامت بوسم كلاً من سلالتي البكتيريا القولونية بألوانٍ فلوريّةٍ مختلفةٍ لتساعد في تمييزهما تحت المجهر، حيث تنمو أحد السلالتين أسرع من الأخرى.

لاحظت كويت وزملاؤها ازدهار السلالة بطيئة النمو تحت ظروف التدفق الضعيف؛ لأن البكتيريا سريعة النمو قامت بقطع مواردها الخاصة، أما في حالة التعرض للتدفق السريع فإن كلتا السلالتين تنجرفان عادةً مع التيار، ولكن السلالة سريعة النمو كانت أكثر نجاحاً في الانتشار خلال مسار تدفق الماء لتستعمر مناطق أخرى مختلفةً. وكانت النتائج أكثر تعقيداً في حالة التعرض لتدفقٍ متوسطٍ، لأن البكتيريا القولونية سريعة النمو تحوّل مسار الماء المتدفق والمواد الغذائية باتجاه إخوتها من السلالات بطيئة النمو عندما ازدياد سماكة الغشاء الحيوي. ولكن تلك المنفعة ليست دائمة بالضرورة، فكلما أصبح غشاء السلالة بطيئة النمو أكثر ثخانةً وسماكةً كلما قام بمنع مرور الماء والمواد الغذائية، وبالتالي تعود المنفعة أحياناً إلى السلالات سريعة النمو، وأدى هذا الثبات المتبادل بين السلالتين إلى تهدئة النمو الكلي للغشاء الحيوي، ومع ذلك استمرت كلتا السلالتين في النمو ونشر خلاياها.

يانغ ليانغ هو عالِم الأحياء المجهرية بجامعة نانيانغ التقنية في سنغافورة المُشارك في كتابة مراجعةٍ لما توصلت إليه كويت وناديل في دورية الاتجاهات في علم الأحياء المجهرية، ويقول: “كانت الدراسات السابقة وصفيةً، ولم تكن كمّيةً بما فيه الكفاية. ولقد ساعدت هذه الدراسات في تغيير ذلك”، فأيّ تغييرٍ بسيطٍ في تشكيل الأسطح أو جريان الماء باستطاعته تحديد الميكروبات التي ستنمو، إن نجت من الأساس.

لقد قامت المضادات الحيوية بعمل العجائب في مواجهة العديد من أنواع العدوى المنتشرة، ولكن البكتيريا النامية على شكل أغشيةٍ حيويةٍ أقلّ تأثراً بالمضادات الحيوية وأكثر مقاومةً. ولقد أٌلقيت أقوى المضادات الحيوية المتوافرة على الأغشية الحيوية لعقودٍ مضت من الزمان، ولكن ذلك لم ينجح في القضاء عليها، وقد يستطيع العلماء إيقافها عن التوسع أكثر وإعطاء البشر فرصةً أكبر لقتالها بالتركيز على القواعد الفيزيائية الحيوية التي تتحكم بهذه المدن البكتيرية على المستوى المجهري.

المصدر (QuantaMagazine)

المصطلحات:
كاثرين كويت Katharine Coyte
الغشاء الحيوي الرقيق Biofilm
رقاقة الموائع الجزيئية Microfluidic chip
البكتيريا القولونية E. coli
طبق بتري Petri dish
ميليسا جارين Melissa Garren
مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان  Memorial Sloan Kettering Cancer Center
وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم Proceedings of the National Academy of Sciences
عملية استشعار النصاب Quorum sensing
معهد ماكس بلانك للأحياء الأرضية الدقيقة Max Planck Institute for Terrestrial Microbiology
القص الهيدرودينامي hydrodynamic shear
أنتوني فان ليفينهوك Antonie van Leeuwenhoek
الجمعية الملكية في لندن the Royal Society of London
بوني باسلر Bonnie Bassler
جامعة برينستون Princeton University
ميكرونات microns
كنُوت دريشر Knut Drescher
ويندي توماس Wendy Thomas
كاري ناديل Carey Nadell
الزائفة الزنجارية Pseudomonas aeruginosa
جامعة نانيانغ التقنية Nanyang Technological University
يانغ ليانغ Yang Liang

السعودي العلمي

Comments are closed.