نشوء الحياة: بين العلم و المعجزات

منصور
@mansourism_
كيف نشأت الحياة؟
هل هي معجزة خارقة؟
هل ممكن لمواد كيميائية بسيطة ان تنتج نظاماً معقداً مثل الخلية؟
هل تحتاج الحياة لأيادٍ خفية تحركها لتنشأ؟
هل تحتاج لقوة و حكمة تتعدى قوانين الطبيعة؟


معظم الناس تؤمن إيمان كامل بأن نشوء الحياه معجزة إلهية يستحيل فهمها علمياً. بل يذهبون لأبعد من ذلك و يأكدون بأن الحياة خارج نطاق العلم، و سر خاص تحتفظ به آلهتهمسأحاول في هذا المقال البسيط ان أقنعكم بأن نشوء الحياة ظاهرة طبيعية لا يمكن استيعابها إلا من خلال المفاهيم العلمية. الحقيقة أن الخلية، و هي اساس الحياة، ليست إلا كيس محمل بالمواد الكيميائية، و على هذا الأساس لا يمكن فهم الحياة و نشوئها إلا عن طريق فهم العمليات الكيميائية و البيولوجية. بناء على ذلك يمكننا تحوير السؤال إلى: كيف يمكن للمواد الكيميائية ان تتحول إلى نظم بيولوجية؟

كيف يفسر العلم نشوء الحياة؟

بداية يجب أن نفهم بأنه لا يمكننا معرفة نشوء الحياة بشكل دقيق جداً لسبب بسيط: لم نشاهدها! لكن معظم ما نعتبره حقائق علمية اليوم لا يمكننا مشاهدته. لا يمكننا مشاهدة الذرة و رغم ذلك نعلم بوجودها من خصائصها. كذلك هي الحياة، نحن لم نشاهد بدايتها لكن كأي ظاهرة علمية يمكننا وضع نموذج يفسر نشوئها من خلال خصائصها. تخيل انك محقق جنائي وصل لمسرح جريمة. أنت لم ترى الجريمة، لكن تستطيع ربط الأدلة ببعضها و وضع سيناريو قريب يمثل الجريمة، قد تخطئ، و تعيد المحاولة و تجد أدلة أكثر. كلما زادت المعطيات زاد يقينك بصحة السيناريو. كذلك هي الخلية، نحن لم نشهد نشوئها، لكن نستطيع تفسير نشوئها من العوامل الأساسية لوجود أي خلية

أبرز المحاولات في التاريخ الحديث في وضع تعريف للحياة كانت من العالم الفيزيائي الشهير ارڤين شرودنغر، وتعد محاضرات شرودنغر “ما هي الحياة؟” (١٩٤٣) الشرارة لمسيرة البحث العلمي الجاد عن موضوع نشوء الحياة في القرن الماضي

قبل أن أجيب على سؤال نشوء الحياة، يجب أن نضع تعريف للحياة؛ ما هي الحياة؟

الحقيقة أن الإجابة أصعب مما يخيّل لنا

هل الدماغ ضروري للحياة؟
الحركة؟
القوة؟
السرعة؟

لا! كل ما سبق عوامل ثانوية نشأت بلايين السنين بعد نشوء الحياة. إذا أردنا ان نضع تعريف علمي للحياة، يجب أن نبحث عن جميع العوامل المشتركة التي تربط جميع هذه الكائنات ببعضها، من بكتيريا إلى فطريات إلى نباتات و حيوانات

هناك خصائص معينة تشترك فيها جميع الخلايا في أي كائن حي: ـ
ـ القدرة على الإنقسام و التكاثر
ـ القدرة على توريث وصفة الحياة (الحمض النووي)، و بالتالي إنتاج أحماض أمينية وبروتينات
ـ استخدام الطاقة المتوفرة في البيئة
ـ وجود غشاء يحمي الخلية و يفصلها عن العالم الخارجي
ـ وجود محفزات كيميائية تسرع من التفاعلات الكيميائية

متى ما توفرت هذه الشروط، نستطيع أن نعرف الشيء على أنه كائن حي

تعريفي الشخصي للخلية هو أنها مصنع لإنتاج البروتينات عن طريق تفاعلات كيميائية باستخدام طاقة معينة

غشاء الخلية

يكاد يكون غشاء الخلية أهم عامل في نشوء الحياة، الغشاء بالنسبة للخلية مثل الجدار بالنسبة للبيت. وظيفة الغشاء انه يفصل و يحمي ما بداخل الخلايا من أحماض نووية و بروتينات و غيرها من مكونات الخيلة عما خارجها. يتكون الغشاء من أحماض دهنية تمنع دخول معظم الجزيئات و المواد الكيميائية. على مدار هذا الغشاء توجد قنوات بروتينيه تطورت مع الزمن لتنقل المواد اللازمة داخل و خارج الخلية.

الطاقة
عندما نتحدث عن الطاقة في النظم البيولوجية، لا شعورياً نفكر في الاكسجين. نعتبر الاكسجين سبب حياتنا، دقائق معدودة بدون اكسجين و نفارق الحياة

ما هو سر الاكسجين؟ كيف يعمل؟

الاكسجين ببساطة هو عنصر اساسي في تحويل الجلوكوز إلى ثاني إكسيد الكربون و ماء، لكن هذا ليس كل شيء. من النتائج الجانبية لهذا التفاعل البسيط إنتاج الطاقة. و بدون هذه الطاقة لا نستطيع نسخ الحمض النووي او الإنقسام. في الحقيقة جميع التفاعلات الكيميائية إما تنتج طاقة أو تستخدم طاقة، ميزة الاكسجين الحقيقية انه ينتج كمية هائلة من الطاقة. لكن ذكرت في مقالي السابق أن الاكسجين يكاد يكون معدوم في بداية نشوء الارض !؟

إذاً من أين أتت هذه الطاقة في الخلية؟

الحقيقة ان الاكسجين ليس العنصر الوحيد لإنتاج الطاقة، بل ان كثير من انواع البكتيريا يعتبر الاكسجين بالنسبة لها غاز سام !؟
حمض الكبريت مثلا يستخدم في كثير من أنواع البكتيريا، و قد يكون هو المركب المستخدم في إنتاج الطاقة في بداية الحياة

مواد كيميائية إلى خلايا بيولوجية

لكن كيف لهذه العوامل ان تجتمع مع بعضها؟
كيف للبروتينات ان تنشئ من مواد كيميائية بسيطة؟
خصوصاً أن الأرض في بداياتها كانت معرضة للنيازك بشكل شبه يومي !؟

الفرضية الأقرب للواقع أن الحياة نشأت في أعماق المحيطات

في أربعينيات القرن الماضي افترض العالم الروسي الكسندر اوپرين ان كيمياء الغلاف الجوي في بداية نشوء الأرض لا يمنع نشوء مواد عضوية، بل أنه مثالي لإنتاجها. و هذا ما أثبته لاحقاً ستانلي ميلر في تجربته الشهيرة. كل ما فعله ميلر هو محاكاة لظروف الأرض في المختبر. قام ميلر بوضع اربع مركبات في وعاء (ماء، نشادر، هيدروجين، و ميثان) ممثلةً غازات الغلاف الجوي في بداية الأرض. بالإضافة إلى ذلك قام بتوصيل أقطاب كهربائية فوق الوعاء ممثلة الصعقات الكهربائية نتيجة الرعد، و جميعها موصلة بأنبوب أخر يحتوي على ماء ساخن ممثلاً المحيط. الهدف من التجربة إنشاء مواد عضوية من هذه المواد البسيطة. لكن نتيجة التجربة كانت صدمة للمجتمع العلمي و لميلر نفسه، ليس فقط انتج مواد عضوية، بل انتج احماض أمينية! الأحماض الأمينية تعتبر وحدة بناء البروتينات، و البروتينات من أساسيات الخلية. اليوم نعرف ان الغلاف الجوي في بداية عمر الأرض يختلف قليلاً عما كان معروف في وقت ميلر، لكن هذا لا يغير الفكرة أن بالإمكان انتاج مواد معقدة مثل الأحماض الأمينية من مواد بسيطة

لكن هذا لا يعطي تفسير كامل لنشوء الحياة، الخلية أعقد من بروتينات، و وجود البروتينات لا يقتضي نشوء الحياة، كما أن وجود الطوب و الحديد لا يعني بناء منزل! من أشهر الفرضيات عند العامة في نشوء الحياة فرضية ليزلي اورغل و فرانسيس كريك. يفترض كريك أن اساسيات الحياة وضعت في نيزك و أرسلت إلى الأرض لتنشىء فيها الحياة! قد يكون المُرسل حضارة في مجرة أخرى أو إله وراء الطبيعة. يعلل فرانسيس كريك هذا الإفتراض بأنه إذا احتاجة الحياة بلايين السنين لكي تتطور فبالتالي تحتاج بلايين السنين لكي تنشأ. الغريب في الموضوع ان المتدينين يسخرون من الاعتقاد ان الحياة نشأت في عالم آخر و هم يؤمنون بذات الفكرة لكن بطريقة مختلفة !؟

معظم العلماء يختلفون مع فرانسيس كريك في هذه الفرضية لأسباب فلسفية و علمية. فلسفياً افتراض نشوء الحياة في عالم آخر لا يعطي أي جواب او نموذج عن كيفية نشوء الحياة. سواء نشأة الحياة على الأرض أو في مجرة أخرى لا يعنينا، ما يعنينا هو كيف نشأة الحياة. علمياً، فكرة ان الحياة تحتاج لبلاين السنين لكي تنشأ فكرة خاطئة من الأساس. يقول عالم الأحياء الحيوية كريسشن دي دوڤا أن المواد الكيميائية من خصائصها التفاعل السريع، و ان لم تتفاعل فستتحلل، لذلك حسب دي دوڤا فإن الحياة نشأت نسبياً بسرعه في مدة لا تزيد عن عشر آلاف سنة. إما ان تنشأ الحياة بسرعة أو لا تنشأ من الأساس

لكن لبناء المنزل نحتاج لمهندس، فمن هو مهندس هذه التفاعلات الكيميائية؟

لا أحد! لا يوجد مهندس و مخطط للتفاعلات الكيميائية. عالم الكيمياء الدقيق و عالم الذرات يختلف عن عالمنا. في عالم الكيمياء، الأجسام والمركبات ليست إلا بلايين الجسيمات تتصادم بسرعة كبيرة في مساحة معينة

خصائص المركبات نفسها هي من تحدد مع أي مركب تنجذب و مع أي مركب تتنافر حسب إشاراتها الكهربائية. بالإضافة إلى ذلك هناك خاصيتان للمركبات تهمنا بخصوص النظم البيولوجية : ـ

التقارب الكيميائي: و هي قدرة المواد الكيميائية من التقارب و التفاعل مع المركبات الاخرى

الخاصية التكاملية: و هي توافق المركبات الكيميائية ببعضها حسب شكلها الخارجي ــ مثل توافق المفتاح مع القفل

قد يتسائل البعض من وضع هذه الخصائص لهذه المركبات بالذات؟ الجواب عندما توجد بلايين البلايين من المركبات الكيميائية لا غريب ان تكون نسبة بسيطة منها نتفاعل و تنتج لنا خلايا حية. بعد نشوء الخلية تبدأ عملية الإنتخاب الطبيعي، المواد الكيميائية (أو الخلية) القادرة على التكييف مع البيئة تحصل على الغذاء من حولها تنقسم و تكاثر، اما المواد الكيميائية الغير قادرة على التكييف تموت و تتلاشى

أين نشأت الحياة؟

متى ما توافرت جميع هذه العناصر من مواد عضوية و غير عضوية، تولد الخلية الأولى و تتطور منها الحياة. لكن أين؟
أين يمكن لجميع هذه العوامل أن تتوافر لتبدأ عملية تحويل الكيمياء إلى نظام بيولوجي (خلية أولى)؟

أول و أقدم فرضية لنشوء الحياة في التاريخ الحديث ذكرها تشارلز داروين نفسه في كتابه أصل الأنواع (١٨٥٩)، افترض تشارلز داروين أن الحياة نشأت في بحيرة صغيرة على سطح الأرض. لكن هذه الفرضية ضعيفة. بالرغم من إمكانية نشوء المواد العضوية في المختبر (تجربة ميلر)، إلا أن ذلك يستحيل في ظروف الأرض في بداية عمرها لسببين : ـ
التفاوت الشديد في درجة حرارة الأرض بسبب النيازك الغبار الكوني والعواصف يمنع أي نشوء للحياة أو حتى مركبات عضوية
الأشعة الكونية ستؤدي إلى تحلل أي مواد كيميائية معقدة على سطح الأرض

لذلك نسبة نشوء الحياة على سطح الأرض ضعيفة جداً

الفرضية الأقرب لنشوء الحياة كما ذكرت سابقاً هي أنها نشأت في أعماق أحد المحيطات، حيث الظروف البيئية أقل خطورة و أكثر ثباتاً. لكن أين تجتمع جميع العوامل السابقة في المحيطات؟ الجواب قرب الفوهات الحرارية المائية في المحيطات. هذه الفوهات تدفع الماء الساخن من أعماق الأرض فيتفاعل مع ماء البحر الملغّم بالحديد. بالإضافة إلى الماء، تدفع هذه الينابيع بكبريت الحديد، الكربونات، الهيدروجين و حمض الكبريت، و غيرها من المواد الكيميائية البسيطة. من هذه المواد ممكن الحصول على أحماض أمينية بسيطة (وحدة بناء البروتينات)، و أحماض دهنية (غشاء الخلية)، و قواعد نيتروجينية (الحمض النووي). بالإضافة إلى ذلك، حمض الكبريت يعتبر مصدر جيد للعمليات البيولوجية ــ كما هو محلّل لكثير من أنواع البكتيريا

الخلاصة

ذكرت في بداية المقال، لا نستطيع علمياً تحديد كل تفاصيل نشوء الحياة. لكن الحياة ظاهرة علمية، و كأي ظاهرة علمية نستطيع وضع قوانين لها. ذكرت في المقال ماذا تحتاج الخلية للنشوء، و كيف يمكن للمواد الكيميائية ان تنتج مواد عضوية، لكن هذا لا يعني تأكيد صحة فرضية نشوء الحياة في المحيطات. هي فرضية قابلة للتشكيك و قابلة للنقد، إذا كان النقد بأسباب علمية. كل ما أردت الوصول إليه في هذا المقال أن الحياة ظاهرة علمية كأي ظاهرة أخرى، و لا يمكن تفسيرها إلا بطريقة علمية، قد لا نعرف الجواب اليوم، و قد لا نعرفه أبداً، لكن هذا لا يعني تجاهل السؤال أو ادعاء استحالة الإجابة عليه

ماذا بعد؟

حسناً، ولدت الخلية في أعماق أحد المحياطات، لكن ما بعد؟ كيف تطورت الأحماض الأمينية البسيطة إلى بروتينات شديدة التعقيد؟ من المعلوم أن التفاعلات البيولوجية تحتاج لملايين السنين لتفاعلها و لكنها تحدث في أجزاء من الثانية بمساعدة الإنزيمات، كيف حصلت الخلية الأولى على الإنزيمات؟

سأترك الجواب للمقال القادم


المصادر : ـ
Crick, f., Orgel, L. Directed Panspermia, 1972De Duve, C. Life Evolving, 2002

Luisi, P. Emergence of Life: From Chemical to Synthetic Biology, 2006

Lane, N. Life Ascending: The Ten Great Inventions of Biology, 2009

Margulis, L, Sagan, D. Acquiring Genomes: A Theory of the Origins Of Species, 2003

Ridley, M. Francis Crick: Discoverer of the Genetic Code, 2008

Schrödinger, E. What Is Life? 1943

Comments are closed.