من هو نوبل وما هي جائزته؟

 

أ. د. سعد الصويان

منذ سنوات ودعنا الأديب الراحل نجيب محفوظ وهو من العرب القلائل الفائزين بجائزة نوبل. وقد كتب الكثيرون عن نجيب محفوظ وحياته وأعماله. لكن القلة منا توقفوا ليتساءلوا من هو نوبل وما هي جائزته

ألفريد بيرنهارد نوبل ثالث أبناء عمانويل نوبل مهندس كيميائي ولد في 21 أكتوبر 1833 في مدينة ستوكهولم عاصمة السويد. أفلس الأب في نفس العام الذي ولد فيه ألفريد واحترق منزل العائلة فقرر في عام 1837 الارتحال إلى فنلندا للبحث عن فرصة أفضل للحياة له ولأسرته. ثم ارتحل في سنة 1842 إلى بطرسبرغ عاصمة روسيا القيصرية وأنشأ هناك ورشة استطاع من خلالها أن يعقد صفقات مع الجيش الروسي لصناعة الألغام. نتج عن ذلك تحسن أحواله المادية فاستقدم عائلته عام 1842 للعيش معه. حقق الأب من عمله في حقل الألغام البحرية ثروة مكنته من توفير تعليم جيد لأبنائه الأربعة، خصوصا في الطبيعة والكيمياء والآداب واللغات

ظهرت على ألفريد علامات النبوغ المبكر واهتم في بداية حياته بالأدب والشعر ولم يبلغ السابعة عشرة إلا وقد أتقن خمس لغات أوربية. لكن والده لم يدخر جهدا لصرفه إلى الكيمياء والطبيعة وتطبيقاتهما في مجال المتفرقعات وبعَثَه في رحلات خارجية لتوسيع مداركه ولمتابعة مشاريع العائلة في أوربا وأمريكا. وأثناء وجوده في باريس عمل مع الكيميائي الشهير البروفيسور بيلوز في مختبره الكيميائي، وهناك تعرف على الكيميائي الإيطالي أسكانيو سوبريرو الذي كان قد اكتشف مادة النيتروغليسيرين وهو سائل شديد الانفجار ويعد النواة الأولى لصناعة المتفرقعات. ويتم إنتاج هذه المادة بمزج الغليسيرين مع الكبريت وحمض النترات. ومع أن قوة انفجار النيتروغليسيرين تفوق قوة انفجار البارود إلا أن العلماء رأوا أن لا فائدة ترجى من هذه المادة نظرا لخطورتها وقابليتها الشديدة للانفجار عند أدنى درجة من درجات الضغط أو الحرارة وبطريقة يصعب ضبطها أو التنبؤ بها. لكن ألفريد نوبل رأى إمكانية الاستفادة منها في الأعمال الإنشائية وتفجير الصخور، لكن لم يغب عن باله أيضا خطورتها الشديدة

كانت الألغام البحرية التي وفرها عمانوئيل نوبل للجيش الروسي وزرعها الجيش في بحر البلطيق أثناء حرب القرم (1853-1856) هي التي وفرت الحماية لمدينة بطرسبرغ ضد الجيوش البريطانية والفرنسية. ولقد قدرت روسيا ذلك لعمانوئيل ومنحه القيصر وسام الإمبراطور الذهبي. بعد انتهاء حرب القرم تقلصت نشاطات عمانوئيل التجارية حتى وصل إلى درجة الإفلاس مرة أخرى واضطر للعودة إلى ستوكهولم سنة 1859. بعد عودتهما إلى ستوكهولم بنى ألفريد مع والده مصنعا بالقرب من المدينة لتصنيع مادة النيتروغليسيرين. لكن مصنعه انفجر عام 1864 مما تسبب في مقتل إميل الأخ الأصغر لألفريد وأربعة من العاملين في المصنع. ولقد تأثر ألفريد بهذا الحادث الأليم فنذر حياته لترويض هذه المادة المفرقعة ليخضعها لمشيئة الإنسان ليتحكم بها ويستفيد منها كما يشاء

أدت جهوده إلى اختراع الديناميت عام 1866 وذلك بمزج سائل النيتروغليسيرين مع السيليكا للحصول على معجون قابل للتشكيل على هيئة أصابع بالحجم والشكل المناسب لإيلاجها في فتحات تحفر في الأماكن المراد تفجيرها. وكان لا بد لألفريد من أن يخترع أيضا فتيلة التفجير حتى يمكن تفجير الديناميت عن بعد. ومما ضاعف من فائدة هذا الاختراع أنه تزامن مع اختراع آلات حفر عالية الكفاءة ساعدت هي والديناميت على خفض كلفة الحفر وتفجير الصخور. وحيث أن ألفريد نوبل يملك براءة اختراع الديناميت فقد تهافتت على شرائه منه شركات البناء والمناجم والقوات المسلحة، فانتشر استخدامه في أنحاء العالم. هذا شجع ألفريد على بناء المصانع في عشرين دولة وجنى من وراء ذلك ثروة ضخمة وأصبح من أغنى أغنياء العالم. ومما ساهم في مضاعفة ثروته حنكته البالغة في إدارة استثماراته

وقد شنت الصحافة الأوربية هجوما عنيفا على نوبل ولقبته “صانع الموت” و”ملك المتفجرات”. وقد بدأت حملة التشهير ضده عام 1888 حينما نشرت جريدة فرنسية نعيه بطريق الخطأ وعنونته “مات ملك الموت” وقالت عنه إنه كون ثروته عن طريق البحث باستمرار ودون كلل عن طرق جديدة لقتل البشر. لذا قرر أن يدشن حملة إعلامية لتحسين صورته وتبرئة ساحته من تلك التهم. فصور نفسه على أنه رجل محب للسلام وأنه حينما اخترع الديناميت كان يرى فيه الأمل لرخاء البشرية عن طريق حفر المناجم واستخراج كنوز الأرض، إضافة إلى حفر الأنفاق وشق القنوات والطرق التي سهلت عمليات التواصل والتبادل التجاري بين الأمم. لكن الكثير من الناس لم ينسوا أن ألفريد ووالده وجميع أفراد أسرته لم يكوّنوا ثرواتهم الطائلة إلا من خلال بناء المصانع التي أبرمت الصفقات والعقود مع الجيوش ومصانع الأسلحة لبيعهم مختلف أنواع المتفجرات

لم يتزوج ألفريد نوبل وعاش وحيدا وعليلا يغلب عليه الخجل. وحينما بلغ الثالثة والأربعين وأحس بتقدمه في السن نشر إعلانا في أحد الجرائد يقول: “رجل ثري عالي الثقافة متقدم في السن يبحث عن سيدة ناضجة تجيد اللغات لتعمل معه سكرتيرة ومشرفة منزل”. فتقدمت له الكونتيسة النمساوية بيرثا كينسكي التي عملت معه لفترة قصيرة ثم تركته لتتزوج من الكونت آرثر فون ستنر. لكن نوبل استمر يتراسل مع بيرثا ولم تنقطع صلتهما. وبمرور السنين تحولت بيرثا لتصبح من أشهر دعاة السلام في العالم وأكبر المعارضين للحروب وسباق التسلح. وفي حواراته المستمرة معها كتب لها مرة يؤكد على أهمية الردع في درء أخطار الحروب ويقول لها: “قد تكون مصانعي أقدر من برلماناتكم على إنهاء الحروب، ففي اليوم الذي يستطيع فيه جيشان متقابلان الحصول على ما يقضي به أحدهما على الآخر في لحظة عين فإن الأمم المتحضرة حينها سوف تتراجع أمام هذا الرعب المفزع وتقرر تسريح جيوشها”. وقد تأثر نوبل بأفكار بيرثا وربما أن هذا من الأسباب التي شجعته على التفكير في جائزته للسلام التي قُدّر لبيرثا أن تفوز بها بعد موته بتسع سنوات على كتابها: اُلْقُوا أَسْلِحَتَكَم

توفي نوبل في 1896 بعدما سجل باسمه ما لا يقل عن 355 براءة اختراع. والكثير من الشركات التي أسسها أصبحت مؤسسات صناعية عملاقة تلعب دورا مؤثرا في الاقتصاد العالمي منها: إمبريال كيميكال انديستوريز في بريطانيا و “سوسايتي سنترال دي دايناميت في فرنسا و “داينو إنديستوريز” في هولندا . وفي آخر أيامه كان قد قرر أن يهب بعض ثروته لكل من يساهم في إسعاد الإنسانية وتحقيق السلام العالمي، وأن يؤسس ما أصبح يسمى جائزة نوبل التي تعد من أقدم الجوائز العالمية وأشهرها وأكبرها قيمة، ماديا ومعنويا. ولتحقيق هذا الغرض أوصى قبل وفاته باستثمار 30 مليون كرونا سويدية من ثروته في مشاريع ربحية يتم من ريعها منح خمس جوائز سنوية باسمه لأكثر من أفاد البشرية في مجالات الكيمياء والفيزياء والطب والفسيولوجيا والأدب والسلام العالمي. وتنص بنود وصية نوبل على أن تسلم جائزة السلام في قاعة مجلس مدينة أوسلو النرويجية (التي انبثقت منها اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين). أما جوائز الطب والكيمياء والطبيعة والأدب فيتم تسليمها في صالة الاحتفالات الموسيقية في ستوكهولم التي تتسع لألف وثلاثمائة شخص بحضور العائلة الملكة السويدية وممثلو الحكومة السويدية وأعضاء البرلمان ولفيف من السياسيين والدبلوماسيين وعائلات الفائزين بالجائزة. ويشرف ملك السويد على تسليم الجائزة. وقد سلمت أول جائزة في 10 ديسمبر من عام 1901، يوم ذكرى وفاة ألفريد نوبل.

تصور ألفريد نوبل أنه باختراع الديناميت ساهم في إسعاد البشرية لكن تبين خطأ تصوره حينما شاع استخدام الديناميت على نطاق واسع في الحروب، وهذا يذكرنا بما حدث لأينشتاين بعد اكتشافه لتجزئة الذرة. حصل أينشتاين على جائزة نوبل عام 1921 على نظريته في النسبية التي أدت إلى تجزئة الذرة، وفي 1933 أصدر مع سيغموند فرويد كتابهما “لما الحرب؟”، وعمل طوال حياته كناشط معارض للحروب.

خشية نوبل وأينشتاين أن اكتشافاتهما قد يساء استخدامها وتُستغل لغايات غير شريفة لم تدفعهما إلى الكف عن البحث وإلى التوقف تطبيقا لمبدأ سد الذرائع ودرء الشبهات. جميع الاختراعات والأفكار النافعة يمكن أن يساء استخدامها، فالدواء الذي يشفي المريض يمكن أن يلجأ له يائس يريد الانتحار. اجتثاث نوازع الشر من النفس البشرية هو الحل وليس تعطيل العقل وإيقافه عن البحث والاستكشاف والتساؤل وتحصيل المعرفة وغير ذلك من الوظائف التي أرادها له الله. العقل يستحيل أصلا إيقافه ومنعه من التفكير والمشكلة ليست في الحقائق والمعارف التي يتوصل إليها العقل وإنما في نزعة الإنسان نحو توظيف هذه المعارف لزرع الشرور واستغلال أخيه الإنسان وتدميره، وبذلك يتحول العلم من وسيلة لإسعاد البشرية إلى آلة شر تزرع البؤس والشقاء. الدرس الآخر المستخلص من هذا كله هو أن ألفريد نوبل تعامل مع تأنيب الضمير والشعور بالذنب تعاملا حضاريا، فهو لم يكتف فقط بالحوقلة والاستغفار وبناء دور العبادة وتعليق لافتة على مكتبه تقول: هذا من فضل ربي، بل عمل عملا يفيد أخيه الإنسان في هذه الدنيا ويساهم في تقدم العلم وتطور البشرية ويذكره له الجميع بالخير. ياحبذا لو أن أثرياء العرب والمسلمين يتلقنون هذا الدرس العظيم.

المقال الأصلي في موقع البروفيسور سعد الصويان
http://www.saadsowayan.com/html/Articles/A68.htm


Comments are closed.