تطور العاطفة: تجربة تشارلز داروين الغير معروفة في علم النفس

ترجمة: عمر بخش
مراجعة: معاذ الدهيشي

اشتهر تشارلز داروين بكتاباته الغزيرة في علم الأحياء. فبالإضافة إلى نشر نظريته المعروفة عن التطور، ألف داروين كتباً عن الشعاب المرجانية، وديدان الأرض، والنباتات آكلة اللحوم. و لكن العالم الطبيعي الشهير أضاف أيضاً لمجالاتٍ أخرى غير علوم الحياة، إذ أنه كان أيضاً عالم نفسٍ تجريبيٍ!

أجرى داروين أحد أول الدراسات عن كيفية تعرف الأشخاص على العواطف من الوجه. بناءً على البحث الجديد الذي أجراه “بيتر سنايدر”، عالم المخ و الأعصاب في جامعة براون. نتائج سنايدر أتت بناءً على ملفات وثائقية لم تنشر من قبل على الإطلاق. تلك الوثائق نشرت في عدد شهر مايو من دورية “تاريخ علوم المخ والأعصاب”.

عندما كان ‘سنايدر’ يلقي نظرةً على رسائل داروين في جامعة كامبريدج في إنجلترا، لاحظ ‘سنايدر’ عدة مراجع لتجربةٍ صغيرةٍ عن العاطفة أجراها داروين في منزله. وبمساعدة المشرفين على المكتبة، كشف سنايدر عن الوثائق ذات الصلة بالتجربة؛ كتاباتٌ بحثيةٌ وجداولٌ مليئةٌ بكتاباتٍ غير مقروءةٍ من قبل، والتي كتبها داروين بنفسه وكتابات متقنةٌ من يدي زوجته “إيما”.

على الرغم من أن إعجاب داروين بموضوع التعبير العاطفي معروف و مُثبت، إلا أنه لم يُسبق لأحد أن جَمع تفاصيل تلك التجربة المنزلية التي أجراها. الآن، التجربة تُسرد بكاملها.

يقول سنايدر: “داروين طبق أسلوباً تجريبياً كان نادراً لحد بعيد في ذلك الزمن في إنجلترا الفيكتورية. داروين دفع الحدود لأقصاها في كل علوم الأحياء، لكن الغير معروف هو إسهاماته في علم النفس”. في ١٨٧٢، داروين نشر كتابه “التعبير عن العاطفة عند الإنسان و الحيوانات”، الذي أوضح فيه أن كل البشر والحيوانات الأخرى يُظهرون المشاعر بتصرفات مذهلة في تشابهها. بالنسبة لداروين، العاطفة لها تاريخ تطوري كان من الممكن تتبعه من خلال الثقافات والحضارات و أنواع الأحياء – و هي وجهة نظر غير مألوفة في ذلك الوقت. اليوم، العديد من علماء النفس يتفقون في أن بعض المشاعر المعينة عالمية ومشتركة بين كل البشر، بغض النظر عن ثقافاتهم. كمثال: الغضب، الخوف، المفاجأة، التقزز، السعادة و الحزن.

أثناء كتابته لمؤلفه سالف الذكر، تواصل داروين مع العديد من الباحثين منهم الطبيب الفرنسي “جوليام-بنجامين أماند دوتشين” الذي كان يقول بأن وجه الإنسان يعبر عن ٦٠ مشاعر مختلفة على الأقل، كل واحدٍ منها يعتمد على عضلات معينة في الوجه. على النقيض، داروين كان يعتقد بأن عضلات الوجه كلها تعمل سوياً للتعبير عن بضعة مشاعر رئيسية فقط.

الطبيب الفرنسي “دوتشين” درس العاطفة بتطبيق تيار كهربائي على وجوه من أجرى عليهم الدراسة، واضعاً عضلاتهم في انقباض مستمر. بتحفيز مجموعة عضلات الوجه الصحيحة، “دوتشين” حاكى التعبير العاطفي الطبيعي. نتيجة ذلك كانت أكثر من٦٠ صورة فوتوغرافية للأفراد الذين أجرى عليهم الدراسة، تُظهر ما كان يؤمن به من أنها عواطف منفردة، و لكن داروين لم يتفق معه.

يقول سنايدر: “بدأت أُلقي النظر على الصور الأصلية التي استقبلها داروين من دوتشين، و كتب عليها هذه الملاحظات الباهتة قائلاً: (لا أصدق ذلك، هذا ليس بصحيح)”.

داروين افترض أن عدداً بسيطاً من صور دوتشين تعبر في الحقيقة عن تعابير إنسانية شاملة عالمياً، وليختبر هذه الفكرة، أجرى دراسة فردية بسيطة في منزله في كينت كاونتي، إنجلترا. داروين أختار ١١ من صور دوتشين، ووضعهم بترتيب عشوائي و قدم كل واحدة منها بشكل فردي لـ٢٠ من ضيوفه بلا أي تلميحات أو أسئلة إيحائية. ثم سأل أصدقاءه ما هي المشاعر التي تعبر عنها كل صورة، وقام بجدولة إجاباتهم. هذا النوع من التجارب تعتبر بسيطة هذه الأيام، لكنها كانت متقدمة بالنسبة لزمن داروين.

طبقاً للملاحظات المكتوبة بخط اليد و المعلومات المجدولة التي وجدها سنايدر، اتفق أصدقاء داروين بإجماع تقريباً حول عواطف معينة – كالسعادة، والحُزن، والخوف، و المفاجأة – و لكنهم اختلفوا بشدة حول بعض الصور الأخرى المُبهمة. بالنسبة لداروين، فقط الصور الفوتوغرافية التي تم الإتفاق حولها هي التي تعبر حقيقةً عن المشاعر الإنسانية الشاملة.

استعمل داروين نتائج بحثه التي أجراها في القرن التاسع عشر ليدعم و يحسن من فهمه عن العاطفة و لكتابته في مؤلفه “التعبير عن العاطفة عند الإنسان و الحيوانات”، لكن الطرق الرائدة التي استعملها تبقى مهمة و ذات صلة بالنسبة لعلماء النفس اليوم. سنايدر وزملاءه ذكروا بأن تجربة داروين الغير معروفة، رائدة و سباقة في تجارب علم النفس الحديث حول الأناس الذين لا يستطيعون التعرف على العاطفة من خلال الوجه بشكل صحيح.

يقول سنايدر: “اليوم، نحن نستعمل نفس الطريقة تقريباً و بل ونفس التحفيز لتقييم المعرفة العاطفية في مجموعة كبيرة من الاضطرابات النفسية، كالتوحد و الإنفصام على سبيل المثال. أسلوب داروين و نهجه ليسا محصوران بزمن معين”.

 


المصادر:

Scientific American

Journal of the History of the Neurosciences

تاريخ علوم المخ والأعصاب: Journal of the History of the Neurosciences
التعبير عن العاطفة عند الإنسان و الحيوانات: The Expression of the Emotions in Man and Animals

Comments are closed.