لماذا نحلم؟ نظريات الأحلام وعلاقتها بالتطور البشري – الجزء الثاني

كتابة: رمزي الحكمي.





ناقش الجزء الأول من السلسلة عدداً من النظريات التي تشرح محتوى الأحلام، وسنكمل الجزء الثاني من الموضوع بتناول دراستين تشرحان السبب وراء الأحلام بذاتها، إحداهما تشرح الأخرى وتمددها.

اضطرت صعوبة دراسة تأثير الأحلام في الوظيفة العقلية العديد من الباحثين إلى استنتاج عبثية الأحلام، وأنها نتيجة أنشطة عصبية عشوائية [4] (كما في النظرية الثانية من المقال السابق). فهل نستطيع أن نجيب على سؤالنا الأساسي عن سبب الحلم من وجهة نظر نظرية التطور؟ لكن لفعل ذلك، علينا أولاً أن نفترض أن الحلم هو تكيُّفٌ أبقاه الانتخاب الطبيعي لدوره في تحسين اللياقة العامة، أيّ قدرتنا على البقاء والتكاثر.

 

نظرية محاكاة التهديد [9]:

النظرية الرائدة في هذا المجال هي ما انتهى إليه الفيلسوف وعالم النفس الفنلندي أنتي ريفينزو وفريقه في دراسةٍ عام 2000م، حيث استعملوا مبدأ “التهديد التخيُّلي” ليخلصوا إلى أن هناك حالةٌ من التهديد التي تنشأ فعلاً أثناء الحلم، والتي بدورها تساعدنا على أن نعالج التهديدات في العالم الحقيقي وعالم اليقظة عندما نتذكر سيناريوهات التهديد المختلفة التي حلمنا بها [4]. وتسمى هذه النظرية “محاكاة التهديد”. حيث ترى نظرية محاكاة التهديد أن الأحلام تطورت لتكييفنا مع أخطار وتهديدات البيئة التي نعيش فيها ببساطة [4].

كيف يحدث هذا؟ هناك أدلةٌ عصبيةٌ تثبت أن المعلومات (أو التجارب) غير الحقيقية أو غير المتعلقة بأيّ تحفيزٍ بيئيٍ حديثٍ تُعالَج في الدماغ بنفس الطريقة التي تُعالَج بها المعلومات الحقيقية التي نحصل عليها من البيئة المادية الحقيقية. للتبسيط، سنفترض أن هناك شخصين، أحدهما يعزف على آلة العود والآخر يتخيل أنه يعزف على نفس الآلة، الفرق بين الشخصين هو أن دماغ الأول يُعالج معلوماتٍ حقيقيةٍ أُثارها مُحفزٌ حقيقي (العود، النوتات، الأنغام كلها موجودة حقا في البيئة المادية)، أما دماغ الثاني فيعالج معلوماتٍ مُتخيَّلةٍ محضة (لا يوجد عود، ولا نوتات، ولا أنغام في الواقع). لكن المُدهش أن دماغيْ الشخصين سيعالجان التجربتين بنفس الطريقة في الدماغ [4].

ما تفترضه نظرية محاكاة التهديد قريبٌ من هذا. فعندما تستيقظ من حلمٍ مُفزع، مستثاراً، متعرِّقا، تتنفس بسرعة، وتحس بضربات قلبك في صدرك، فهذا يؤكد لك أن دماغك عالج محتوى الحلم غير الواقعي أساساً كما يعالج التجارب الواقعية المفزعة. وهذا سيساعدك على الاستعداد لمواجهة تهديدات العالم الخارجي الحقيقي. وبحسب النظرية، لهذا تطورت الأحلام.

هنا تقفز أسئلةٌ عدة: لماذا التهديد؟ لماذا ليس شيئاً آخر؟ إذا كان التهديد حدثاً مهماً في حياة الأسلاف فما هي أهميته في حياتنا الخالية نسبياً مما كان يقلق أسلافنا؟

وللإجابة عليها يجب أن نعود إلى الوراء ملايين السنين، حيث كان الأسلاف يعيشون في بيئات تختلف كثيراً عن بيئتنا الحديثة. حيث كان الأسلاف يواجهون أحداثاً تهدد وجودهم باستمرار، فهم يفترِسون ويُفتَرسون، وكما هي حالُ من هذه حياته فإن عليه أن يكون متأهِّباً دائماً لمواجهة التهديدات التي قد تنهي حياته. فالأسلاف الذين كانت لديهم القدرة على استرجاع سيناريوهات الخطر التي شاهدوها في الحلم ربما كانوا أكثر كفاءةً في التعامل مع الأخطار في الحياة الواقعية، ومن ثم نقلوها إلى الذرية. وهكذا انتقلت هذه القدرة على مواجهة التهديدات من خلال سيناريوهات الأحلام المرعبة إلى الأجيال [4].

هذا بالضبط ما أثبتته الدراسات!

إذا كان الأحلام تطورت لتجعلنا على أهبة الاستعداد دائماً لمواجهة الأخطار التي تهدد بقاءنا، فيجب إذاً أن ينعكس هذا في أحلامنا؛ أيّ يجب أن تكون أحلامنا مماثلةً للحالات التي إذا استرجعناها في حياتنا الواقعية ستساعدنا على المزيد من اللياقة والتكيف. البيانات التي جمعها هال وفان دي كاستل (1966مـ) من أكثر من 500 حلمٍ أشارت إلى أن 80% من الأحلام حوت مشاعر سلبيةٍ. وكانت هذه الأحلام أقرب إلى رؤية حيواناتٍ أو أجانبٍ في حالاتٍ من التهديد. فنحن ننحاز دائماً إلى المحتويات السلبية للأحلام أكثر من المحتويات الإيجابية [10].

 

مزايا تطوريةٌ أخرى غير التعايش مع تهديدات البيئة؟

بعد نشر دراسة ريفينزو بخمس سنواتٍ في عام 2005مـ، نشر أستاذ علم النفس المعرفي بجامعة ميشيغان مايكل فرانكلين دراسةً بعنوان “دور الأحلام في تطور العقل البشري” في مجلة علم النفس التطوري. وتهدف هذه الدراسة إلى استعراض نظرية “محاكاة التهديد” وتمديدها [4]. فالأحلام في حسب فرانكلين لم تتطور لتهيئتنا لمواجهة التهديدات فحسب، بل أن هناك الكثير من وحدات التفكير المعرفي العُليا التي تأثرت كثيراً بآلية الحلم، ومنها:

1- تحسين الأداء:
أثبتت دراسات التصوير المقطعي بالإشعاع البوزيتروني أن الأشخاص الذين تدربوا على مهماتٍ معينةٍ شهدوا زيادةً في أنشطتهم العصبية المتعلقة بهذه المهمات أثناء مرحلة REM من النوم؛ أيّ المرحلة التي تحدث فيها الأحلام. والخبر الجيد هو أن أداء هؤلاء الأشخاص في هذه المهام تحسَّن بعد الاستيقاظ [4].

2- معالجة المعلومات الاجتماعية:
أظهرت الدراسات الحديثة أن الجوانب المعرفية التي تركز على معالجة المعلومات الاجتماعية تُنشَّط بقوة أثناء مرحلة REM من النوم أيضاً. وسندرك ما لهذا من أهميةٍ في تطورنا إذا علمنا أن المعلومات والتفاعلات الاجتماعية المعقدة التي تُعالج في الجزء الاجتماعي من أدمغتنا لعبت دوراً كبيراً في تطور القدرات العقلية لأدمغة الرئيسات. ويمكن دعم هذا الاستنتاج بحقيقة أن نسبةً كبيرةً من الأحلام تميل إلى أن تكون أحلاماً اجتماعية، وتشمل حالاتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ [4].

3- مهارات التفسير:
الأحلام تعلمنا كيف نتعامل مع الحالات الواقعية التي نعيشها أثناء اليقظة، وتجعلنا أيضاً نطور مهاراتنا في تفسير الأمور. وفي الحقيقة، تشير دراسات أحلام الأطفال إلى أنهم يرون أعضاء عائلاتهم وأصدقاءهم المقربين غالباً أكثر من البالغين، ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب الحقيقة القائلة بأن الأطفال بحاجةٍ إلى ممارسة المهارات الشخصية أكثر من البالغين [4].

4- أطفالٌ يحلمون:
من الواضح أن الأطفال يطورون قدراتهم العقلية في أوقاتٍ محددةٍ ومتوقَّعةٍ في كل الحضارات الإنسانية، فعند سن التسعة أشهر يبدأ الأطفال بالتعامل مع الآخرين بوصفهم أشخاصاً مميزين مثلاً. وتتأثر هذه المهارات عند الأطفال بالأحلام، ومن ثم فهذا سببٌ إضافيٌ للتأكيد على الصفة التكيُّفية للحلم وتدعم فرضيته التطورية. فمرحلة REM من النوم تحدث أكثر عند الأطفال وتقل مع التقدم في السن، حيث يدخل الأطفال في مرحلة REM في بداية النوم وبعكس البالغين الذين يبدؤون بالدخول في مرحلة NREM أو مرحلة النوم التي لا تتميز بسرعة حركة العين، وهم في الواقع يقضون قرابة ثماني ساعات في هذه المرحلة. وكما عرفنا سابقاً عن مطابقة معالجة المعلومات الحقيقية الحسية والمعلومات المتخيلة أثناء الحلم، فإن الأطفال الذين يعالجون خبراتهم اليومية في أحلامهم سيتعلمون المزيد من المهارات التي لم تزل تتطور في أذهانهم حسب هذه الفرضية [4].

 

تنبُّؤات…

أحد تنبؤات هذه الفرضية هو أن مقاطعة الأطفال في مرحلة الـREM في ساعات النوم الأولى تقريباً سينتج عواقب سلبيةً على نموهم العقلي. ويمكننا أيضاً أن نتحقق من هذه الفرضية من خلاله هو مرض التوحُّد [4]. حيث يواجه مرضى التوحد مشكلةً مع النوم، ويواجهون أيضاً نقصاً في ما يسمى بـ”نظرية العقل”. ومفهوم نظرية العقل هو أن يستطيع الشخص عزْوَ (أو نسبة) الحالات العقلية (الاعتقادات، النوايا، الرغبات، وجهات النظر…إلخ) إلى نفسه وإلى الآخرين وأن يفهم أن للآخرين حالات عقلية تختلف عن حالته العقلية الخاصة [11]. وتتنبأ هذه الفرضية بأن سبب مشكلة مرضى التوحد مع نظرية العقل هو افتقارهم إلى مرحلة REM من النوم. حيث يجعل نقص مرحلة REM من النوم مرضى التوحد غير قادرين على الحلم، ومن ثم سيواجهون مشاكلاً في التعامل مع العالم من حولهم [4].

ماذا عن الأحلام الواضحة/الواعية/المدركة/الصاحية/الصافية lucid dreams؟

بعض الناس لديهم القدرة على إدراك الحلم أثناء النوم. أو بتعبيرٍ آخر، يستطيعون معرفة أحلامهم والتلاعب بها وهم نيام. يتردد مايكل فرانكلين في هذه الدراسة في وضع الأحلام الحية ضمن إطار بحثه النظري، ويضع هذا النوع من الأحلام تحت عنوان “الاستثناء”، لكنه يشرح أن حالة الحلم الحي هي حالة نادرة ويمكن اختبارها في المختبر، وأنها حالة تتميز بنوع من الإدراك العالي للمُحيط أثناء الحلم. وسبب هذا التردد هو احتمال أن الأحلام الحية هي نوع من اليقظة لا نوع من الحلم. ويظن أن الحلم الحي هو “منتج ثانوي” من تطوُّر الأحلام العادية، وأن الهدف منه هو تمكيننا من الحصول على مستوى أعلى من الإدراك لأماكننا والأشياء المحيطة بنا [4]





المراجع:

[1] www.verywell.com
[2] Vedfelt, Ole (1999). The Dimensions of Dreams. Fromm. ISBN 0-88064-230-0.
[3] Hobson, J. Allan (2010). “REM sleep and dreaming: Towards a theory of protoconsciousness”. Nature Reviews Neuroscience 10 (11): 803–13.
[4] evp.sagepub.com.full.pdf
[5] Miller, G., Information Processing Theory
[6] Antrobus, John (1993). “Characteristics of Dreams”. Encyclopedia of Sleep and Dreaming.
[7] Evans, C. & Newman, E. (1964) Dreaming: An analogy from computers. New Scientist, 419, 577-579.
[8] Hartmann, E. (1995)Making connections in a safe place: Is dreaming psychotherapy? Dreaming, 5,213-228.
[9] http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15766897
[10] Hall, C. and Van de Castle, R. (1966). The Content Analysis of Dreams. New York: Appleton-Century-Crofts.
[11] Premack, D. G.; Woodruff, G. (1978). “Does the chimpanzee have a theory of mind?”. Behavioral and Brain Sciences 1 (4): 515–526.

المصطلحات:

أنشطة عصبية عشوائية random neural activities
تكيُّف adaptation
نظرية محاكاة التهديد Threat simulation theory
أنتي ريفينزو Antti Revonsuo
التهديد التخيُّلي virtual threat
هال وفان دي كاستل (1966) (Hall and Van de Castle (1966
مايكل فرانكلين Michael S. Franklin
دور الأحلام في تطور العقل البشري The Role of Dreams in the Evolution of the Human Mind
التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET scan
الرئيسات primates
مرض التوحُّد Autism

Comments are closed.