مدخل إلى الجاذبية الكمومية – الجزء الثاني

كتابة: لينة الأصفر.
مراجعة فارس بوخمسين.
تصميم الصورة: نورة الدراك

هذا المقال جزءٌ من سلسلة “مدخل إلى الجاذبية الكمومية”، وبإمكانكم أن تطلعوا على الجزء الأول هنا والثالث هنا.

الدافع وراء تكميم حقل الجاذبية (الزمكان):

لطالما زعم البعض أن الوصف الكمومي للجاذبية وبنية الزمكان بعيدةٌ عن فيزياء القرن الواحد والعشرين، حيث أن مستويات الطاقة التي تصبح فيها الجاذبية ذات أهميةٍ في فيزياء الجسيمات الأولية تقع في نطاق 15 رتبةً من رتبة الطاقة التي تعمل بها أقوى مسرعات الجسيمات التي قامت البشرية في بنائها (مصادم الهادرون الكبير). فلدراسة الأثر الكمومي للجاذبية نحتاج لدراسة تصادماتٍ في نطاق طاقة بلانك[1]، والتي تبدو بعيدة المنال عن مصادمات الجسيمات الحالية، ولكن هذا ليس صحيحا تمامًا. حيث تعطينا الطبيعة فرصاً لدراسة الجاذبية الكمومية تجريبياً دون الحاجة لبناء مصادمات جسيمات بمستوى طاقة بلانك.[2]  يوجد على سبيل المثال أحداثٌ كونيةٌ بطاقةٍ عاليةٍ للغايةٍ تبعد عن طاقة بلانك بستة رتب فقط. ولا ننسى أن الخلفية الكونية الإشعاعية القادمة من الانفجار العظيم تحمل أثر تفاعلات الجاذبية الكمومية، ويمكن قياسها إذا ما تمت زيادة دقة وحساسية الأجهزة التي تقيس التغايرات في الطاقة. عدا أنه من الممكن قياس آثار الجاذبية الكمومية في مستويات طاقةٍ بالتيرا إلكترون فولت، مثل انبثاقات أشعة جاما وقياس الموجات التجاذبية.

أتت البيانات القادمة من القمر الصناعي “بلانك” الذي وُكلت إليه مهمة قياس الخلفية الكونية الإشعاعية مؤخراً بمعلوماتٍ جديدةٍ عن نسبة المادة “الباريونية” والمادة المظلمة والطاقة المظلمة. حيث ترتبط الطاقة المظلمة بثابتٍ كونيٍ موجبٍ، والذي يعتقد الكثير من الفيزيائيين فهم ماهيتها مرتبطٌ بالجاذبية الكمومية.  ولا تشكل المادة الباريونية سوى 4% من الكون، أما الباقي فلا يمكن تفسيره بالنظرية الحالية لفيزياء الجسيمات (النموذج القياسي)، مما يحتم علينا البحث خارج هذا النموذج لتفسير ال 96 % الباقية من الكون!

للجاذبية الكمومية أهمية تجريبية إذاً وليست رفاهيةً أكاديميةً فقط، عدا عن ارتباطها بظواهر فيزيائيةٍ تنتظر أن نفهمها ونفسرها، مثل الثقوب السوداء، الطاقة المظلمة، الثابت الكوني، والانفجار العظيم وغيرها. للجاذبية الكمومية أهميةٌ بالغةٌ في الفيزياء النظرية أيضاً، وبالأخص بالفهم العميق والفيزيائي للحقول الكمومية بعيداً عن نظريات الاضطراب.

قد يبدو من المحرج جداً للفيزيائيين أننا لا نفهم حقا سوى الحقول الكمية الحرة لسوء الحظ، والتي تقبع على فضاء منوكسكي رباعي الأبعاد. يمكن تشبيه هذه الحقول الكمومية كمجموعةٍ لا متناهيةٍ من المتذبذبات التوافقية الكمومية الغير مترابطة.

لهذا طور الفيزيائيون طريقتين للخروج من هذا الوضع البدائي والغير فيزيائي لوصف الحقول هذه، وهم نظرية الحقل الكمومي على زمكانٍ منحنيٍ ونظرية الاضطراب. هذا يعني التطور التالي بالنسبة لفيزياء المسرعات، حيث يكون معرفة سعة التشتت هي الأهم. يمكن كتابة المؤثر الوحودي المتعلق بالتفاعلات الخاصة بالتشتت، والذي يقوم بربط فضاء هيلبرت الخاص بالحقول الكمومية الحرة (المفهومة جيداً) في الماضي إلى المستقبل. حيث لا يوجد تفاعل وفقاً لمبرهنة هاغ إن كان المؤثر وحوديا تماماً. أما إن لم يكن … فسيصبح لدينا تباعدٌ في الحسابات (مشابه لما يحصل في كارثة فوق البنفسجي)، مما يضطر الفيزيائيين إلى فرد المؤثر باستخدام المتسلسلات واستبعاد الحدود المتباعدة وغيرها من طرائق نظرية الاضطراب وإعادة التطبيع. لقيت هذه الطرق نجاحاً كبيراً مكللاً بالنموذج القياسي والنموذج الكهروضعيف بالرغم من هذه المشكلات وخاصة مشكلة الاختيار الخاصة بمبرهنة هاغ [3] .

يمكن تلخيص ما نفهمه عن الحقول الكمومية (الحرة-المتفاعلة اضطرابياً) على فضاء مينكوسكي في المسلمات التالية، والتي تعرف بمسلمات ويغتمان:

1-) يوجد تمثيلٌ مستمر وواحدي لزمرة بوينكاريه على فضاء هيلبرت:

Picture1

2-) لمؤثرات كمية الحركة طيفٌ في مقدمة المخروط الضوئي، يعطى بـ:

Picture2

3-) توجد حالة فراغٍ فريدةٍ، متناظرةٍ لزمرة تحويلات بونكاريه:

Picture3

4-) مبادئ الحفظ (التناظر) المحلية واللا محلية، ليكن ϕ  مؤثراً ممسوحاً كتوزيعٍ ( تابع معمم) . فإن التركيبات الخطية:

Picture4

5-) مبدأ المحلية (السببية). إن كانت مجموعةٌ من النقاط حيث تابع ما عندها لا يساوي صفراً، وكانت هذه النقاط مفصولة مكانياً، فإنه لا يمكن أن توصل هذه النقاط بمنحنى غير مكانيٍ.

 

تتضمن مسلمات ويغتمان عناصر أساسيةً لمفهومنا الحالي للحقول الكمومية، ألا وهي: التنسور المتري الخاص بفضاء منكوسكي ɳ ، و بنيته السببية المتمثلة بزمرة بونكاريه وتمثيلاتها على فضاء هيلبرت، وأيضا الحالة المتناظرة للفراغ على المنطوي الطوبولوجي القابل للتفاضل   R

بهذا، تفترض المسلمات السابقة خلفيةً غير ديناميكيةٍ ومسطحةً ومتمثلةً بمتري مينكوسكي. أي أن الحقول الكمومية مبنية على منطويات طوبولوجية غير ديناميكية حسب مسلمات ويغتمان.

إن وضع الحقول الكمومية على خلفيةٍ معممةٍ (زمكان منحنيٍ) يجعل الأمر أكثر صعوبة، حيث سيبقى لدينا بنية سببية (محلية) ولكن لا توجد تناظرات لا محلية، ولا زمرة تناظر في الحقول الكمومية على زمكان منحنٍ، ولا يمكن تعميم مسلمات ويغتمان حينها. لدراسة التفاعلات في نظرية الحقول هذه (على الأقل بطريقة اضطرابية) يجب اعتبار حقولٍ كموميةٍ محليةٍ، وأخذ “جميع الخلفيات في الوقت عينه”. لن يتم التطرق لتفاصيل هذه العملية هنا.

إن نظرية الحقل الكمومي على فضاءٍ منحني ليست سوى تقريبٍ للعالم الحقيقي لسوء الحظ، فهي تجاهل تماماَ تفاعل المادة مع الهندسة (هندسة الزمكان الموصوفة بالنسبية العامة). وتتجاهل أيضا حقيقة أن الزمكان نفسه مكمم، وضرورة اعتبار هذا الأمر. لذلك ستؤدي مواصلة التمسك بنظرية الحقل الكمومي المبنية على مسلمات ويغتمان (أو تلك على فضاء منحن) إلى نظريةٍ غير تنبئيةٍ وغير قابلةٍ للتطبيع للجاذبية الكمومية، ولن تصف الظواهر الكونية التي تنهار عندها البنية المستمرة للزمكان مثل الثقوب السوداء أو الانفجار العظيم. كما أنها ستفشل تماما بوصف بنى زمكان مثل إن كان الفضاء غير أزومتري. بعبارةٍ أخرى، إن التموجات في “مؤثر” الفضاء المتري تصبح ضرورةً ولا بد من أخذ التأثيرات الكمومية بعين الاعتبار، لأن الوصف الكلاسيكي غير كافٍ في الظروف السابقة.

كما كانت نظرية الكم وتكميم الهاملتوني أمراً ضرورياً لحل مشاكل التباعد في ذرة الهيدروجين وتفسير استقرارها (عدم سقوط الالكترون في النواة لنتيجة لإشعاع الإنكباح-كما تتنبأ النظرية الكهرومغناطيسية الكلاسيكية). فإن تكميم الزمكان يعد ضرورةً أيضاً هنا لمعاملة جميع الخلفيات بنفس المنوال.

نحتاج إذا لنظريةٍ كموميةٍ للجاذبية، تكون مستقلةً عن خلفية الزمكان، بحيث تكون البنية السببية نفسها مكممةً، والمخاريط الضوئية متموجةً تصبح بها المحلية أمراً مشوشاً. حينها يمكن تفسير الطبيعة بشكلٍ أساسيٍ، وتفسير ظواهر أخرى مثل إشعاع هاوكينغ والثقوب السوداء والمتفردات الثقالية وحتى الانفجار العظيم نفسه أيضاً. ستنجح هذه النظرية عندما تنهار نظرية الحقول الكمومية الاعتيادية عندما نجعل الحقل الكمومي هو الزمكان نفسه، وتكون الخلفية (المنطوي القابل للتفاضل) ديناميكية، ولن توجد خلفية حينها.

بالرغم من نجاح النموذج القياسي والديناميك اللوني الكمومي بوصف تصادمات الجسميات حيث يمكن اهمال التفاعل مع الهندسة (لأن الترابط مع الحقل الثقالي ضعيفٌ جداً). ولأن معادلات أينشتاين تصف العلاقة بين الهندسة (انحناء الزمكان) والتنسور الخاص بالطاقة والإجهاد. فإنها مستقلةُ تماماً عن طبيعة المادة ومكوناتها الأساسية. لدرجة ما يبدو أننا بخير بوجود نظريتين للفيزياء: نظرية الحقل الكمومي على زمكان منحن، والنسبية العامة. لكن من وجهة نظرٍ أساسيةٍ فإن هذا ليس صحيحاً أبداً، حيث توجد العديد من الدوافع لتوحيد هاتين النظريتين.

 

 

 

[1] ~1019  GeV
[2] يجب التنويه أيضا أن الطاقة العالية لا تعني بالضرورة القدرة على قياس مسافة أدق، بسبب أثر الجاذبية، فإن الطاقة العالية في مجال ضيق قد تكون ثقوب سوداء ميكروية، تدمر ما أريد قياسه، بعض النظريات التابعة لنظريات الأوتار تتنبأ بثقوب سوداء ميكروية بنطاق طاقة قريب من النطاق الذي يتم الحصول عليه من مصادمات الجسيمات الحالية.
[3] مشكلة الاختيار، تنص مبرهنة هاغ على أن تمثيل التفاعل (المؤثر والتابع الموجي كليهما يحمل اعتمادية على الزمن) غير ممكن، وذلك لأنه في نظرية الحقول الكمومية على فضاء مينكوسكي، لا يوجد تكافؤ بين تحويلين واحديين بين فضائيين هيلبرت ومجموعة من التحويلات الواحدية التي تلبي العلاقات التبادلية المخروطية Canonical commutation relations فتصبح مشكلة اختيار اعتمادية المؤثر أم التابع الموجي ليكون معتمدا على الزمن (الاختيار بين صورة هايزنبرغ أم شرودنجر)

 

Website Comments

  1. مجد

    ليش هالمصطلحات العلمية المعقدة لو كان الشرح بمصطلحات مفهومة كان افضل

  2. عبدالرحمن م.

    جهد رائع تُشكرون عليه، لكن المقال غير مفهوم أبداً بالنسبة للمبتدئين وغير المتخصصين، هناك تداخل كبير في المعلومات والمصطلحات بدون شرح وافٍ لها..
    تحياتي وكل التقدير لعملكم الجبار..