رصد الآليات النانوية داخل الخلايا بطريقةٍ ثلاثية الأبعاد

ترجمة:شروق المطيري.
مراجعة: في محمد.

تمكن باحثو معهد البحث في الطب الحيوي في برشلونة من رؤية آلية البروتين داخل الخلايا الحية وبطريقةٍ ثلاثية الأبعاد، وذلك عن طريق دمج الهندسة الوراثية، المجاهر فائقة الدقة، والحوسبة الحيوية. ولقد كشفت الدراسة المنشورة في دورية سيل عن مميزاتٍ وظيفيةٍ رئيسيةٍ لمجموعةٍ من البروتينات الحيوية للحيوانات والنباتات.

قدم علماءٌ من معهد البحث في الطب الحيوي في برشلونة دراسةً نُشرت في دورية سيل، والتي تمكنوا فيها من رصد الآليات النانوية للبروتين (والتي تسمى أيضاً مركبات البروتينات) لأول مرةٍ في الخلايا الحية وبتقنيةٍ ثلاثية الأبعاد، ومركبات البروتين هي التراكيب المسؤولة عن أداء وظائف الخلية. ولقد تم هذا العمل بالتعاون مع باحثين في جامعة جنيف في سويسرا ومركز الأندلس لعلم الأحياء التنموي في إشبيلية.

يقوم علماء الأحياء الذين يدرسون وظيفة الآليات النانوية للبروتين بعزل هذه المركبات في أنابيب الاختبار حالياً، ومن ثم يستخدمون تقنياتٍ على المركبات المفصولة من الخلية في المختبر لتسمح لهم برصد هيكلتها إلى المستوى الذري. وعِوضاً عن ذلك، يقومون باستخدام تقنيات تسمح بتُحليل هذه المركبات داخل الخلية الحية، ولكن هذه الطريقة تعطي معلوماتٍ أقل عن الهيكلة، ولقد أستطاع العلماء في هذه الدراسة رصد هيكل آلية البروتين في الخلايا الحية مباشرةً في الوقت الذي تقوم به بوظائفها.

شرح الباحث في معهد البحث في الطب الحيوي في برشلونة والمنسق للمجموعة الباحثة في هذا المشروع وهو أوريول غاليغو وبمشاركة طالب الدكتوراه ايرين بازوس: “إن تقنيات المختبر المتوفرة ممتازةٌ وتسمح لنا بالرصد حتى المستوى الذري، ولكن المعلومات التي توفرها محدودةٌ. حيث لا يمكننا معرفة كيفية عمل المحرك إذا فككناه ونظرنا إلى الأجزاء الفردية، فنحن بحاجةٍ إلى أن نرى المحرك مُجمعاً في السيارة ويعمل. وفي الأحياء، وما زلنا نفتقر إلى أدوات رصد الأعمال الداخلية للخلية الحية، ولكن التقنية التي قمنا بتطويرها تعتبر خطوةً بالاتجاه الصحيح ويمكننا الآن أن نرى بشكلٍ ثلاثي الأبعاد كيفية قيام مركبات البروتينات بوظائفها”.

مشاهدة الآليات النانوية خلال عملها
الاستراتيجية الجديدة تجمع بين المجاهر فائقة الدقة (وهو اكتشاف كُرم بجائزة نوبل لسنة 2014مـ في مجال الكيمياء)، هندسة الخلية، والنمذجة الحاسوبية. إن التقنية تسمح لنا برصد مركبات البروتين بدقةٍ تصل إلى ٥ نانو مايكرو، وأوضح غاليغو “أن ذلك أفضل بأربعة أضعافٍ من المجاهر ذات الدقة العالية، وهذا يسمح لنا بالقيام بدراساتٍ لأحياء الخلية والتي كانت غير ممكنةٍ من قبل” (نانومتر هو جزءٌ من المليون من المايكرومتر، مثال: عرض الشعرة مئة إلف نانومتر).

قام الباحثون بالتعديل على الخلايا وراثياً، وذلك لبناء داعماتٍ صناعيةٍ في الداخل لترسوا عليها مركبات البروتين، ولقد صُممت هذه الداعمات بطريقةٍ تسمح لهم بالتحكم بالزاوية التي تُرى منها الآليات النانوية الجامدة. وبعد ذلك، تم تحديد الهيكل الثلاثي الأبعاد لمركب البروتين عبر استخدام تقنيات ذات دقةٍ عاليةٍ لقياس المسافة بين المكونات المختلفة، ومن ثم دمجهم في عمليةٍ شبيهةٍ بتلك التي تستخدم في نظام تحديد المواقع العالمي.

المميزات الأساسية لعملية الطرد الخلوي
لقد أستخدم غاليغو هذه الطريقة لدراسة الطرد الخلوي، وهي أليةٌ تستخدمها الخلايا للتواصل مع الخلايا الخارجية، فعلى سبيل المثال: تتواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض عن طريق إطلاق نواقل عصبيةٍ بواسطة الطرد الخلوي. ولقد ساعدت هذه الدراسة العلماء في الكشف عن الهيكل الكامل لآليةٍ نانوية أساسيةٍ في عملية الطرد الخلوي، والتي كانت تعتبر لغزاً حتى الان. وأضاف غاليغو: “نحن نعرف الآن كيفية عمل هذه الآلية التي تتكون من ثمانية بروتينات، ونعرف أهمية كل بروتينٍ فيها. وستساعدنا هذه المعرفة في فهم دور عملية الطرد الخلوي في السرطان وانتشار الأورام الخبيثة، وهي عمليات تتبدل فيها الآليات النانوية”.

دراساتٌ جديدةٌ
إن لفهم كيفية قيام الآليات النانوية بوظائفها الخلوية أثارٌ حيويةٌ طبيةٌ، حيث أن التحولات في الأعمال الداخلية للخلية قد تؤدي إلى تطور المرض، ولكن سيكون من الممكن دراسة الآليات البروتينية الخلوية في حال الصحة والمرض بوجود هذه الاستراتيجية الجديدة بمتناول اليد. على سبيل المثال: سنتمكن من رؤية كيفية تمكن الفيروسات والبكتريا من استخدام الآليات النانوية البروتينية خلال العدوى، وتطوير فهمٍ أفضل للخلل الحاصل في المركبات التي تؤدي الى المرض، وذلك لتصميم استراتيجياتٍ علاجيةٍ جديدةٍ لعكسها.

يمكن استخدام هذه التقنية أيضاً في المركبات كبيرة الحجم نسبياً، وقال غاليغو: “إن التمكن من رؤية مركبات البروتين بمقاس خمسة نانومترات يُعد إنجازاً كبيراً، ولكن لا يزال الطريق طويلاً أمامنا لنكون قادرين على مراقبتها داخل الخلية على المستوى الذري والتي تسمح بها التقنيات المختبرية”، وأضاف: “ولكن أعتقد أن المستقبل يعتمد على دمج مختلف الأساليب والاستفادة من نقاط القوة في كل أسلوبٍ”.

طوّر أوريول غاليغو على مدى خمس سنواتٍ هذا المشروع في برنامج الطب الجزيئي في معهد البحث في الطب الحيوي في برشلونة، وذلك عن طريق “عقد الباحث رامون كاجال” الممنوح له من وزارة الاقتصاد والتنافسية والذي سينتهي قريباً، ولقد أعد غاليغو مكانين بالفعل لإقامة البحوث في اليابان وألمانيا لمعرفة المزيد حول دمج تقنيات المجهر. وأشار الباحث الشاب الذي ينصب تركيزه على أحياء مركبات البروتين وعلى تطوير التقنية التي تجعل ” غير المرئي مرئياً” بقوله: “بعد ذلك، أود الاستمرار في إجراء بحوثٍ عالية المستوى في برشلونة، وأتمنى أن تساعدني هذه الدراسة المنشورة في دورية سيل على فعل ذلك”.

المصدر (sciencedaily)

الحوسبة الحيوية: Biocomputation
معهد البحوث للطب الحيوي في برشلونة: Institute for Research in Biomedicine (IBR)
جامعة جنيف في سويسرا ومركز الاندلس لعلم الأحياء التنموي في إشبيلية: University of Geneva in Switzerland and the Centro Andaluz de Biología del Desarrollo in Seville.
أوريول غاليغو: Oriol Gallego
ايرين بازوس: Irene Pazos
المجاهر فائقة الدقة: super-resolution microscopy
النمذجة الحاسوبية: computational modelling
نظام تحديد المواقع: global positioning system
الطرد الخلوي: exocytosis

Website Comments